Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 21:87-88
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والجَوابُ عَنِ الشُّبْهَةِ الثّانِيَةِ: وهي التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أنْ نَقُولَ مَن ظَنَّ عَجْزَ اللَّهِ تَعالى فَهو كافِرٌ، ولا خِلافَ أنَّهُ لا يَجُوزُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى آحادِ المُؤْمِنِينَ، فَكَيْفَ إلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَإذَنْ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ وفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ﴾ [العنكبوت: ٦٢] أيْ يُضَيِّقُ: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطَّلاقِ: ٧ ] أيْ ضُيِّقَ: ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أيْ ضَيَّقَ ومَعْناهُ أنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ.
واعْلَمْ أنَّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ تَصِيرُ الآيَةُ حُجَّةً لَنا، وذَلِكَ لِأنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَنَّ أنَّهُ مُخَيَّرٌ إنْ شاءَ أقامَ وإنْ شاءَ خَرَجَ، وأنَّهُ تَعالى لا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ في اخْتِيارِهِ، وكانَ في المَعْلُومِ أنَّ الصَّلاحَ في تَأخُّرِ خُرُوجِهِ، وهَذا مِنَ اللَّهِ تَعالى بَيانٌ لِما يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ لَهُ مِن حَيْثُ خَرَجَ، لا عَلى تَعَمُّدِ المَعْصِيَةِ، لَكِنْ لِظَنِّهِ أنَّ الأمْرَ في خُرُوجِهِ مُوَسَّعٌ يَجُوزُ أنْ يُقَدِّمَ ويُؤَخِّرَ، وكانَ الصَّلاحُ خِلافَ ذَلِكَ.