Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 21:83-84
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ألْطَفَ في السُّؤالِ حَيْثُ ذَكَرَ نَفْسَهُ بِما يُوجِبُ الرَّحْمَةَ، وذَكَرَ رَبَّهُ بِغايَةِ الرَّحْمَةِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِالمَطْلُوبِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ الشَّكْوى تَقْدَحُ في كَوْنِهِ صابِرًا ؟ الجَوابُ: قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ مَن شَكا إلى اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ لا يُعَدُّ ذَلِكَ جَزَعًا إذا كانَ في شَكْواهُ راضِيًا بِقَضاءِ اللَّهِ إذْ لَيْسَ مِن شَرْطِ الصَّبْرِ اسْتِحْلاءُ البَلاءِ، ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] أمّا قَوْلُهُ: ﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فالدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أُمُورٌ:
أحَدُها: أنَّ كُلَّ مَن رَحِمَ غَيْرَهُ فَأمّا أنْ يَرْحَمَهُ طَلَبًا لِلثَّناءِ في الدُّنْيا، أوِ الثَّوابِ في الآخِرَةِ، أوْ دَفْعًا لِلرِّقَّةِ الجِنْسِيَّةِ عَنِ الطَّبْعِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ مَطْلُوبُ ذَلِكَ الرّاحِمِ مَنفَعَةَ نَفْسِهِ، أمّا الحَقُّ سُبْحانَهُ فَإنَّهُ يَرْحَمُ عِبادَهُ مِن غَيْرِ وجْهٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ، ومِن غَيْرِ أنْ يَعُودَ إلَيْهِ مِن تِلْكَ الرَّحْمَةِ زِيادَةٌ ولا نُقْصانٌ مِنَ الثَّناءِ، ومِن صِفاتِ الكَمالِ، فَكانَ سُبْحانَهُ أرْحَمَ الرّاحِمِينَ.