Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 21:83-84
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
فَقالَ عِفْرِيتٌ آخَرُ: عِنْدِي مِنَ القُوَّةِ ما إذا شِئْتُ تَحَوَّلْتُ رِيحًا عاصِفَةً أقْلَعُ كُلَّ شَيْءٍ أتَيْتُ عَلَيْهِ، قالَ: فاذْهَبْ إلى الحَرْثِ والثِّيرانِ. فَأتاهم فَأهْلَكَهم ثُمَّ رَجَعَ إبْلِيسُ مُتَمَثِّلًا حَتّى جاءَ أيُّوبَ وهو يُصَلِّي، فَقالَ مِثْلَ قَوْلِهِ الأوَّلِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ أيُّوبُ الرَّدَّ الأوَّلَ، فَجَعَلَ إبْلِيسُ يُصِيبُ أمْوالَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى أتى عَلى جَمِيعِها، فَلَمّا رَأى إبْلِيسُ صَبْرَهُ عَلى ذَلِكَ وقَفَ المَوْقِفَ الَّذِي كانَ يَقِفُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ: يا إلَهِي، هَلْ أنْتَ مُسَلِّطِي عَلى ولَدِهِ، فَإنَّها الفِتْنَةُ المُضِلَّةُ؛ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: انْطَلِقَ فَقَدْ سَلَّطْتُكَ عَلى ولَدِهِ، فَأتى أوْلادَ أيُّوبَ في قَصْرِهِمْ فَلَمْ يَزَلْ يُزَلْزِلُهُ بِهِمْ مِن قَواعِدِهِ حَتّى قَلَبَ القَصْرَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ جاءَ إلى أيُّوبَ مُتَمَثِّلًا بِالمُعَلِّمِ، وهو جَرِيحٌ مَشْدُوخُ الرَّأْسِ يَسِيلُ دَمُهُ ودِماغُهُ، فَقالَ: لَوْ رَأيْتَ بَنِيكَ كَيْفَ انْقَلَبُوا مَنكُوسِينَ عَلى رُءُوسِهِمْ تَسِيلُ أدْمِغَتُهم مِن أُنُوفِهِمْ لَتَقَطَّعَ قَلْبُكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ هَذا ويُرَقِّقُهُ حَتّى رَقَّ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَكى، وقَبَضَ قَبْضَةً مِنَ التُّرابِ ووَضَعَها عَلى رَأْسِهِ، فاغْتَنَمَ ذَلِكَ إبْلِيسُ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى اسْتَغْفَرَ واسْتَرْجَعَ فَصَعِدَ إبْلِيسُ ووَقَفَ مَوْقِفَهُ، وقالَ: يا إلَهِي، إنَّما يَهُونُ عَلى أيُّوبَ خَطَرُ المالِ والوَلَدِ، لِعِلْمِهِ أنَّكَ تُعِيدُ لَهُ المالَ والوَلَدَ، فَهَلْ أنْتَ مُسَلِّطِي عَلى جَسَدِهِ، وإنِّي لَكَ زَعِيمٌ، لَوِ ابْتَلَيْتَهُ في جَسَدِهِ لَيَكْفُرَنَّ بِكَ، فَقالَ تَعالى: انْطَلِقْ فَقَدْ سَلَّطْتُكَ عَلى جَسَدِهِ، ولَيْسَ لَكَ سُلْطانٌ عَلى عَقْلِهِ وقَلْبِهِ ولِسانِهِ؛ فانْقَضَّ عَدُوُّ اللَّهِ سَرِيعًا؛ فَوَجَدَ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ساجِدًا لِلَّهِ تَعالى، فَأتاهُ مِن قِبَلِ الأرْضِ فَنَفَخَ في مَنخَرِهِ نَفْخَةً اشْتَعَلَ مِنها جَسَدُهُ، وخَرَجَ بِهِ مِن فَرْقِهِ إلى قَدَمِهِ