Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 21:79-82
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: لَوْ حَصَلَ الكَلامُ مِنَ الجَبَلِ لَحَصَلَ إمّا بِفِعْلِهِ أوْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعالى فِيهِ؛ والأوَّلُ: مُحالٌ؛ لِأنَّ بِنْيَةَ الجَبَلِ لا تَحْتَمِلُ الحَياةَ والعِلْمَ والقُدْرَةَ، وما لا يَكُونُ حَيًّا عالِمًا قادِرًا يَسْتَحِيلُ مِنهُ الفِعْلُ، والثّانِي: أيْضًا مُحالٌ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمَ عِنْدَهم مَن كانَ فاعِلًا لِلْكَلامِ، لا مَن كانَ مَحَلًّا لِلْكَلامِ، فَلَوْ كانَ فاعِلُ ذَلِكَ الكَلامِ هو اللَّهُ تَعالى لَكانَ المُتَكَلِّمُ هو اللَّهُ تَعالى لا الجَبَلُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِهِ، فَعِنْدَ هَذا قالُوا في: ﴿وسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياجِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] مَعْناهُ تَصَرَّفِي مَعَهُ وسِيرِي بِأمْرِهِ، ويُسَبِّحْنَ مِنَ السَّبْحِ الَّذِي السِّباحَةُ خَرَجَ اللَّفْظُ فِيهِ عَلى التَّكْثِيرِ، ولَوْ لَمْ يَقْصِدِ التَّكْثِيرَ لَقِيلَ: يَسْبَحْنَ، فَلَمّا كَثُرَ قِيلَ: يُسَبِّحْنَ مَعَهُ، أيْ سِيرِي وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ لَكَ في اَلنَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧] أيْ تَصَرُّفًا ومَذْهَبًا. إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ سَيْرَها هو التَّسْبِيحُ لِدَلالَتِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى سائِرِ ما تَنَزَّهَ عَنْهُ، واعْلَمْ أنَّ مَدارَ هَذا القَوْلِ عَلى أنَّ بِنْيَةَ الجَبَلِ لا تَقْبَلُ الحَياةَ، وهَذا مَمْنُوعٌ، وعَلى أنَّ التَّكَلُّمَ مِن فِعْلِ اللَّهِ، وهو أيْضًا مَمْنُوعٌ.