Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 21:78
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وعَنِ الرّابِعِ: أنَّهُ إذا تَأمَّلَ واجْتَهَدَ فَأدّاهُ اجْتِهادُهُ إلى ما ذَكَرْنا كانَ اللَّهُ تَعالى فَهَّمَهُ مِن حَيْثُ بَيَّنَ لَهُ طَرِيقَ ذَلِكَ. فَهَذِهِ جُمْلَةُ الكَلامِ في بَيانِ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ اخْتِلافُ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ في ذَلِكَ الحُكْمِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ الِاجْتِهادِ. وأمّا بَيانُ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أيْضًا أنْ يَكُونَ اخْتِلافُهُما فِيهِ بِسَبَبِ النَّصِّ فَطَرِيقُهُ أنْ يُقالَ: إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَأْمُورًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ المَسْألَةِ بِالحُكْمِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ نَسَخَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ خاصَّةً وأمَرَهُ أنْ يُعَرِّفَ داوُدَ ذَلِكَ فَصارَ ذَلِكَ الحُكْمُ حُكْمَهُما جَمِيعًا فَقَوْلُهُ: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾ أيْ أوْحَيْنا إلَيْهِ فَإنْ قِيلَ: هَذا باطِلٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الحُكْمَ الأوَّلَ عَلى داوُدَ وجَبَ أنْ يَنْزِلَ نَسْخُهُ أيْضًا عَلى داوُدَ لا عَلى سُلَيْمانَ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى مَدَحَ كُلًّا مِنهُما عَلى الفَهْمِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ النَّصِّ لَمْ يَكُنْ في فَهْمِهِ كَثِيرُ مَدْحٍ إنَّما المَدْحُ الكَثِيرُ عَلى قُوَّةِ الخاطِرِ والحَذاقَةِ في الِاسْتِنْباطِ.