Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 21:78
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا المَأْخَذُ الأوَّلُ: فَقَدْ تَكَلَّمْنا فِيهِ في الجُمْلَةِ في كِتابِنا المُسَمّى بِالمَحْصُولِ في الأُصُولِ، ولْنَذْكُرْ هاهُنا أُصُولَ الكَلامِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، احْتَجَّ الجُبّائِيُّ عَلى أنَّ الِاجْتِهادَ غَيْرُ جائِزٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ [يونس: ١٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] .
وثانِيها: أنَّ الِاجْتِهادَ طَرِيقُهُ الظَّنُّ، وهو قادِرٌ عَلى إدْراكِهِ يَقِينًا، فَلا يَجُوزُ مَصِيرُهُ إلى الظَّنِّ كالمُعايِنِ لِلْقِبْلَةِ، لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَجْتَهِدَ.
ثالِثُها: أنَّ مُخالَفَةَ الرَّسُولِ تُوجِبُ الكُفْرَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] ومُخالَفَةُ المَظْنُونِ والمُجْتَهَداتِ لا تُوجِبُ الكُفْرَ.
ورابِعُها: لَوْ جازَ أنْ يَجْتَهِدَ في الأحْكامِ لَكانَ لا يَقِفُ في شَيْءٍ مِنها، ولَمّا وقَفَ في مَسْألَةِ الظِّهارِ واللِّعانِ إلى وُرُودِ الوَحْيِ دَلَّ عَلى أنَّ الِاجْتِهادَ غَيْرُ جائِزٍ عَلَيْهِ.
وخامِسُها: أنَّ الِاجْتِهادَ إنَّما يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ فَقْدِ النَّصِّ، لَكِنَّ فِقْدانَ النَّصِّ في حَقِّ الرَّسُولِ كالمُمْتَنِعِ؛ فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الِاجْتِهادُ مِنهُ.