Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 21:72-73
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والوَجْهُ الثّانِي: أقْرَبُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الصَّلاحِ يَتَناوَلُ الكُلَّ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ فَلَوْ حَمَلْنا الصَّلاحَ عَلى النُّبُوَّةِ لَزِمَ التَّكْرارُ، واحْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الصَّلاحَ مِن قِبَلِهِ، أجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ صالِحِينَ، وبِكَوْنِهِمْ أئِمَّةً، وبِكَوْنِهِمْ عابِدِينَ، ولَما مَدَحَهم بِذَلِكَ، ولَما أثْنى عَلَيْهِمْ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ آتاهم مِن لُطْفِهِ وتَوْفِيقِهِ ما صَلُحُوا بِهِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ سَمّاهم بِذَلِكَ كَما يُقالُ: زَيْدٌ فَسَّقَ فُلانًا وضَلَّلَهُ وكَفَّرَهُ، إذا وصَفَهُ بِذَلِكَ، وكانَ مُصَدَّقًا عِنْدَ النّاسِ، وكَما يُقالُ في الحاكِمِ: زَكّى فُلانًا وعَدَّلَهُ وجَرَّحَهُ إذا حَكَمَ بِذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ مُخْتَلَّةٌ، أمّا اعْتِمادُهم عَلى المَدْحِ والذَّمِّ. فالجَوابُ المَعْهُودُ أنْ نُعارِضَهُ بِمَسْألَتَيِ الدّاعِي والعِلْمِ، وأمّا الحَمْلُ عَلى اللُّطْفِ فَباطِلٌ؛ لِأنَّ فِعْلَ الإلْطافِ عامٌّ في المُكَلَّفِينَ، فَلا بُدَّ في هَذا التَّخْصِيصِ مِن
صفحة ١٦٦