Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 21:45-47
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زَعَمَ الجُبّائِيُّ أنَّ مَنِ اسْتَحَقَّ مِائَةَ جُزْءٍ مِنَ العِقابِ فَأتى بِطاعَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها خَمْسِينَ جُزْءًا مِنَ الثَّوابِ فَهَذا الأقَلُّ يَنْحَبِطُ بِالأكْثَرِ ويَبْقى الأكْثَرُ كَما كانَ. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تُبْطِلُ قَوْلَهُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَمَدَّحَ بِأنَّ اليَسِيرَ مِنَ الطّاعَةِ لا يَسْقُطُ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما قالَ الجُبّائِيُّ لَسَقَطَتِ الطّاعَةُ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَوِ ابْتَدَأهُ اللَّهُ تَعالى لَكانَ قَدْ ظَلَمَ، فَدَلَّ هَذا الوَجْهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ مَن لا يَسْتَحِقُّ ولا يَفْعَلُ المَضارَّ في الدُّنْيا إلّا لِلْمَنافِعِ والمَصالِحِ. والجَوابُ: الظُّلْمُ هو التَّصَرُّفُ في مِلْكِ الغَيْرِ وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ لِأنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى اسْتِحالَةِ الظُّلْمِ عَلَيْهِ عَقْلًا أنَّ الظُّلْمَ عِنْدَ الخَصْمِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَهْلِ أوِ الحاجَةِ المُحالَيْنِ عَلى اللَّهِ تَعالى ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فالظُّلْمُ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ. وأيْضًا فَإنَّ الظّالِمَ سَفِيهٌ خارِجٌ عَنِ الإلَهِيَّةِ فَلَوْ صَحَّ مِنهُ الظُّلْمُ لَصَحَّ خُرُوجُهُ عَنِ الإلَهِيَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كَوْنُهُ إلَهًا مِنَ الجائِزاتِ لا مِنَ الواجِباتِ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في إلَهِيَّتِهِ.