Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 21:45-47
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا كَرَّرَ في القُرْآنِ الأدِلَّةَ وبالَغَ في التَّنْبِيهِ عَلَيْها عَلى ما تَقَدَّمَ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ الَّذِي هو كَلامُ رَبِّكم فَلا تَظُنُّوا أنَّ ذَلِكَ مِن قِبَلِي بَلِ اللَّهُ آتِيكم بِهِ، وأمَرَنِي بِإنْذارِكم فَإذا قُمْتُ بِما ألْزَمَنِي رَبِّي فَلَمْ يَقَعْ مِنكُمُ القَبُولُ والإجابَةُ فالوَبالُ عَلَيْكم يَعُودُ، ومَثَّلَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما سَمِعُوا مِن إنْذارِهِ مَعَ كَثْرَتِهِ وتَوالِيهِ بِالصُّمِّ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ أصْلًا إذِ الغَرَضُ بِالإنْذارِ لَيْسَ السَّماعَ بَلِ التَّمَسُّكَ بِهِ في إقْدامٍ عَلى واجِبٍ وتَحَرُّزٍ عَنْ مُحَرَّمٍ ومَعْرِفَةٍ بِالحَقِّ، فَإذا لَمْ يَحْصُلْ هَذا الغَرَضُ صارَ كَأنَّهُ لَمْ يُسْمَعْ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ولا تُسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ بِالتّاءِ والياءِ أيْ لا تُسْمِعُ أنْتَ أوْ لا يُسْمِعُ رَسُولُ اللَّهِ أوْ لا يُسْمِعُ الصُّمَّ مَن أسْمَعَ، فَإنْ قُلْتَ: الصُّمُّ لا تَسْمَعُ دُعاءَ البَشَرِ كَما لا يَسْمَعُونَ دُعاءَ المُنْذِرِ، فَكَيْفَ قالَ ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ ؟ قُلْتُ: اللّامُ في الصُّمِّ إشارَةٌ إلى هَؤُلاءِ المُنْذَرِينَ، كائِنَةٌ لِلْعَهْدِ لا لِلْجِنْسِ، والأصْلُ ولا يَسْمَعُونَ الدُّعاءَ إذا ما يُنْذَرُونَ فَوَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَصامُمِهِمْ وسَدِّهِمْ أسْماعَهم إذا أُنْذَرُوا أيْ هم عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ الجَراءَةِ والجَسارَةِ عَلى التَّصامُمِ عَنْ آياتِ الإنْذارِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَهم سَيَتَغَيَّرُ إلى أنْ يَصِيرُوا بِحَيْثُ إذا شاهَدُوا اليَسِيرَ مِمّا أُنْذَرُوا بِهِ فَعِنْدَهُ يَسْمَعُونَ ويَعْتَذِرُونَ ويَعْتَرِفُونَ حِينَ لا يَنْتَفِعُونَ وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ وأصْلُ النَّفْحِ مِنَ الرِّيحِ اللَّيِّنَةِ، والمَعْنى ولَئِنْ مَسَّهم شَيْءٌ قَلِيلٌ مِن عَذابِ اللَّهِ كالرّائِحَةِ مِنَ الشَّيْءِ دُونَ جِسْمِهِ لَتَنادَوْا بِالوَيْلِ واعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ في المَسِّ والنَّفْحَةِ ثَلاثُ مُبالَغاتٍ: لَفْظُ المَسِّ وما في النَّفْحِ مِن مَعْنى القِلَّةِ والنَّزارَةِ، يُقالُ: نَفَحَتْهُ الدّابَّةُ وهو رُمْحٌ يَسِيرٌ ونَفَحَهُ بِعَطِيَّةٍ رَضَخَهُ، ولَفْظُ المَرَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ جَمِيعَ ما يَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ لا يَكُونُ إلّا عَدْلًا فَهم وإنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم في الدُّنْيا فَلَنْ يُظْلَمُوا في الآخِرَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ﴾ وصَفَها اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ لِأنَّ المِيزانَ قَدْ يَكُونُ مُسْتَقِيمًا وقَدْ يَكُونُ بِخِلافِهِ، فَبَيَّنَ أنَّ تِلْكَ المَوازِينَ تَجْرِي عَلى حَدِّ العَدْلِ والقِسْطِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ وهَهُنا مَسائِلُ: