Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 21:22-23
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ هو الخالِقُ لِلْحَسَنِ والقَبِيحِ لَوَجَبَ أنْ يُسْألَ عَمّا يَفْعَلُ، بَلْ كانَ يُذَمُّ بِما حَقُّهُ الذَّمُّ، كَما يُحْمَدُ بِما حَقُّهُ المَدْحُ. وثانِيها: أنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ لا يُسْألَ عَنِ الأُمُورِ إذا كانَ لا فاعِلَ سِواهُ. وثالِثُها: أنَّهُ كانَ لا يَجُوزُ أنْ يُسْألُوا عَنْ عَمَلِهِمْ إذْ لا عَمَلَ لَهم. ورابِعُها: أنَّ أعْمالَهم لا يُمْكِنُهم أنْ يَعْدِلُوا عَنْها مِن حَيْثُ خَلَقَها وأوْجَدَها فِيهِمْ. وخامِسُها: أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ بِأنَّهُ يَقْبَلُ حُجَّةَ العِبادِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النِّساءِ: ١٦٥] وهَذا يَقْتَضِي أنَّ لَهم عَلَيْهِ الحُجَّةَ قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ، وقالَ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] ونَظائِرُ هَذِهِ الآياتِ كَثِيرَةٌ وكُلُّها تَدُلُّ عَلى أنَّ حُجَّةَ العَبْدِ مُتَوَجِّهَةٌ عَلى اللَّهِ تَعالى. وسادِسُها: قالَ ثُمامَةُ: إذا وقَفَ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ما حَمَلَكَ عَلى مَعْصِيَتِي ؟ فَيَقُولُ عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِ: يا رَبِّ إنَّكَ خَلَقْتَنِي كافِرًا وأمَرْتَنِي بِما لا أقْدِرُ عَلَيْهِ وحُلْتَ بَيْنِي وبَيْنَهُ. ولا شَكَّ أنَّهُ عَلى مَذْهَبِ الجَبْرِ يَكُونُ صادِقًا، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائِدَةِ: ١١٩] فَوَجَبَ أنْ يَنْفَعَهُ هَذا الكَلامُ فَقِيلَ لَهُ: ومَن يَدَعُهُ يَقُولُ هَذا الكَلامَ أوْ يَحْتَجُّ ؟ فَقالَ ثُمامَةُ: ألَيْسَ إذا مَنَعَهُ اللَّهُ الكَلامَ والحُجَّةَ فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ مَنَعَهُ مِمّا لَوْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنهُ لانْقَطَعَ في يَدِهِ، وهَذا نِهايَةُ الِانْقِطاعِ. والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ: أنَّها مُعارَضَةٌ بِمَسْألَةِ الدّاعِي ومَسْألَةِ العِلْمِ ثُمَّ بِالوُجُوهِ الثَّمانِيَةِ الَّتِي بَيَّنّا فِيها أنَّهُ يَسْتَحِيلُ طَلَبُ لَمِيَّةِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى وأحْكامِهِ.