Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 20:132-135
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ رُخْصَةٌ في تَرْكِ التَّكَسُّبِ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِ المُتَّقِينَ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النُّورِ: ٣٧]، أمّا قَوْلُهُ: والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى فالمُرادُ والعاقِبَةُ الجَمِيلَةُ لِأهْلِ التَّقْوى يَعْنِي تَقْوى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ هَذِهِ الوَصِيَّةِ حَكى عَنْهم شُبْهَتَهم، فَكَأنَّهُ مِن تَمامِ قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ وهي قَوْلُهم: ﴿لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ أُوهِمُوا بِهَذا الكَلامِ أنَّهُ يُكَلِّفُهُمُ الإيمانَ مِن غَيْرِ آيَةٍ، وقالُوا في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٥] وأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها: أنَّ ما في القُرْآنِ إذا وافَقَ ما في كُتُبِهِمْ مَعَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالدِّراسَةِ والتَّعَلُّمِ وما رَأى أُسْتاذًا البَتَّةَ كانَ ذَلِكَ إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا. وثانِيها: أنَّ بَيِّنَةَ ما في الصُّحُفِ الأُولى ما فِيها مِنَ البِشارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وبِنَبُّوتِهِ وبَعْثَتِهِ. وثالِثُها: ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ والقَفّالُ [ أنَّ ] المَعْنى: ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ مِن أنْباءِ الأُمَمِ الَّتِي أهْلَكْناهم لَمّا سَألُوا الآياتِ وكَفَرُوا بِها كَيْفَ عاجَلْناهم بِالعُقُوبَةِ فَماذا يُؤَمِّنُهم أنْ يَكُونَ حالُهم في سُؤالِ الآياتِ كَحالِ أُولَئِكَ، وإنَّما أتاهم هَذا البَيانُ في القُرْآنِ، فَلِهَذا وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ: ﴿بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما ذَكَرَ الضَّمِيرَ الرّاجِعَ إلى البَيِّنَةِ لِأنَّها في مَعْنى البُرْهانِ والدَّلِيلِ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى أزاحَ لَهم كُلَّ عُذْرٍ وعِلَّةٍ في التَّكْلِيفِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾ والمُرادُ كانَ لَهم أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَيَكُونَ عُذْرًا لَهم، فَأمّا الآنُ وقَدْ أرْسَلْناكَ وبَيَّنّا عَلى لِسانِكَ لَهم ما