Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 20:92-95
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
مَجْرى نَفْسِهِ لِأنَّهُ كانَ أخاهُ وشَرِيكَهُ فَصَنَعَ بِهِ ما يَصْنَعُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ في حالِ الفِكْرِ والغَضَبِ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ خافَ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن سُوءِ ظَنِّهِمْ أنَّهُ مُنْكِرٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مُعاوِنٍ لَهُ، ثُمَّ أخَذَ في شَرْحِ القِصَّةِ فَقالَ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، وثالِثُها: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا عَلى نِهايَةِ سُوءِ الظَّنِّ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى إنَّ هارُونَ غابَ عَنْهم غَيْبَةً فَقالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: أنْتَ قَتَلْتَهُ، فَلَمّا واعَدَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتَمَّها بِعَشْرٍ وكَتَبَ لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ رَجَعَ فَرَأى في قَوْمِهِ ما رَأى فَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ لِيُدْنِيَهُ فَيَتَفَحَّصَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الواقِعَةِ، فَخافَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْبِقَ إلى قُلُوبِهِمْ ما لا أصْلَ لَهُ، فَقالَ إشْفاقًا عَلى مُوسى: لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي؛ لِئَلّا يَظُنَّ القَوْمُ ما لا يَلِيقُ بِكَ. ورابِعُها: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلًا حَدِيدًا مَجْبُولًا عَلى الحِدَّةِ والخُشُونَةِ والتَّصَلُّبِ في كُلِّ شَيْءٍ شَدِيدَ الغَضَبِ لِلَّهِ تَعالى ولِدِينِهِ فَلَمْ يَتَمالَكْ حِينَ رَأى قَوْمَهُ يَعْبُدُونَ عِجْلًا مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى مِن بَعْدِ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ العِظامِ أنْ ألْقى ألْواحَ التَّوْراةِ لِما غَلَبَ عَلى ذِهْنِهِ مِنَ الدَّهْشَةِ العَظِيمَةِ غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى وحَمِيَّةً، وعَنَّفَ بِأخِيهِ وخَلِيفَتِهِ عَلى قَوْمِهِ فَأقْبَلَ عَلَيْهِ إقْبالَ العَدُوِّ المُكاشِرِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الجَوابَ ساقِطٌ لِأنَّهُ يُقالُ: هَبْ أنَّهُ كانَ شَدِيدَ الغَضَبِ ولَكِنْ مَعَ ذَلِكَ الغَضَبِ الشَّدِيدِ هَلْ كانَ يَبْقى عاقِلًا مُكَلَّفًا أمْ لا ؟ فَإنْ بَقِيَ عاقِلًا مُكَلَّفًا فالأسْئِلَةُ باقِيَةٌ بِتَمامِها، أكْثَرُ ما في البابِ أنَّكَ ذَكَرْتَ أنَّهُ أتى بِغَضَبٍ شَدِيدٍ وذَلِكَ مِن جُمْلَةِ المَعاصِي فَقَدْ زِدْتَ إشْكالًا آخَرَ، فَإنْ قُلْتُمْ بِأنَّهُ في ذَلِكَ الغَضَبِ لَمْ يَبْقَ عاقِلًا ولا مُكَلَّفًا فَهَذا مِمّا لا يَرْتَضِيهِ مُسْلِمٌ البَتَّةَ فَهَذِهِ أجْوِبَةُ مَن لَمْ يُجَوِّزِ الصَّغائِرَ، وأمّا مَن جَوَّزَها فَلا شَكَّ في سُقُوطِ السُّؤالِ واللَّهُ أعْلَمُ.