Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 20:72-76
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الجِسْمُ الحَيُّ لا بُدَّ وأنْ يَبْقى إمّا حَيًّا أوْ يَصِيرُ مَيِّتًا فَخُلُوُّهُ عَنِ الوَصْفَيْنِ مُحالٌ، فَمَعْناهُ في الآيَةِ أنَّهُ يَكُونُ في جَهَنَّمَ بِأسْوَأِ حالٍ لا يَمُوتُ مَوْتَةً مُرِيحَةً ولا يَحْيا حَياةً مُمْتِعَةً. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ . واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ آتِيًا بِكُلِّ الصّالِحاتِ. وذَلِكَ بِالِاتِّفاقِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ ولا مُمْكِنٍ فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أداءِ الواجِباتِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ مَن أتى بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحاتِ كانَتْ لَهُ الدَّرَجاتُ العُلى، ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى حُصُولِ العَفْوِ لِأصْحابِ الكَبائِرِ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدَّرَجاتِ العُلى مِنَ الجَنَّةِ لِمَن أتى رَبَّهُ بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَسائِرُ الدَّرَجاتِ الَّتِي هي غَيْرُ عالِيَةٍ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِمْ. ما هم إلّا العُصاةُ مِن أهْلِ الإيمانِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأقُولُ: لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الدَّرَجاتِ العالِيَةَ هي جَزاءُ مَن تَزَكّى أيْ تَطَهَّرَ عَنِ الذُّنُوبِ وجَبَ بِحُكْمِ ذَلِكَ الخِطابِ أنَّ الدَّرَجاتِ الَّتِي لا تَكُونُ عالِيَةً أنْ لا تَكُونَ جَزاءَ مَن تَزَكّى فَهي لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَكُونُ قَدْ أتى بِالمَعاصِي وعَفا اللَّهُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ عَنْهم، واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ أنَّ فِرْعَوْنَ فَعَلَ بِأُولَئِكَ القَوْمِ المُؤْمِنِينَ ما أوْعَدَهم بِهِ، ولَكِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ في الأخْبارِ.