Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 20:72-76
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اللَّعْنُ لِلْغَيْرِ جائِزٌ عِنْدَنا، وأمّا إقامَةُ الحَدِّ عَلَيْهِ فَقَدْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ المِحْنَةِ كَما في حَقِّ التّائِبِ، وقَدْ تَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨] فاللَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إقامَةُ الحَدِّ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا لِلْمَدْحِ والتَّعْظِيمِ، وإذا لَمْ يَبْقَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ الثَّوابُ كَما قُلْنا. فَدَلَّنا ذَلِكَ عَلى أنَّ عِقابَ الكَبِيرَةِ أوْلى بِإزالَةِ ثَوابِ الطّاعَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الطّاعاتِ بِدَفْعِ عِقابِ الكَبِيرَةِ الطّارِئَةِ. هَذا مُنْتَهى كَلامِهِمْ في مَسْألَةِ الوَعِيدِ قُلْنا حاصِلُ الكَلامِ يَرْجِعُ إلى أنَّ النَّصَّ الدّالَّ عَلى إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّنْكِيلِ صارَ مُعارِضًا لِلنُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ، فَلِمَ كانَ تَرْجِيحُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ أوْلى مِنَ العَكْسِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ كانَ يَنْقَسِمُ إلى السّارِقِ وغَيْرِ السّارِقِ، فالسّارِقُ يَنْقَسِمُ إلى المُؤْمِنِ وإلى غَيْرِ المُؤْمِنِ فَلَمْ يَكُنْ لِأحَدِهِما مَزِيَّةٌ عَلى الآخَرِ في العُمُومِ والخُصُوصِ، فَإذا تَعارَضا تَساقَطا. ثُمَّ نَقُولُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ في إفادَةِ العُمُومِ قَطْعِيَّةٌ بَلْ ظَنِّيَّةٌ، ومَسْألَتُنا قَطْعِيَّةٌ؛ فَلا يَجُوزُ التَّعْوِيلُ عَلى ما ذَكَرْتُهُ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في كِتابِ المَحْصُولِ في الأُصُولِ.