Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 20:69
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ورابِعُها: لَفْظُ العُلُوِّ وهو الغَلَبَةُ الظّاهِرَةُ، وأمّا التَّفْصِيلُ فَقَوْلُهُ: ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ وفِيهِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ لِمَ لَمْ يَقُلْ: وألْقِ عَصاكَ. والجَوابُ: جازَ أنْ يَكُونَ تَصْغِيرًا لَها أيْ لا تُبالِ بِكَثْرَةِ حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ وألْقِ العُوَيْدَ الفَرْدَ الصَّغِيرَ الجِرْمِ الَّذِي بِيَمِينِكَ فَإنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى يَتَلَقَّفُها عَلى وحْدَتِهِ وكَثْرَتِها وصِغَرِهِ وعِظَمِها وجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لَها أيْ لا تَحْتَفِلْ بِهَذِهِ الأجْرامِ الكَثِيرَةِ فَإنَّ في يَمِينِكَ شَيْئًا أعْظَمُ مِنها كُلِّها وهَذِهِ عَلى كَثْرَتِها أقَلُّ شَيْءٍ عِنْدَها فَألْقِهِ يَتَلَقَّفْها بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى ويَمْحَقْها، أمّا قَوْلُهُ: ﴿تَلْقَفْ﴾ أيْ فَإنَّكَ إذا ألْقَيْتَها فَإنَّها ”تَلْقَفْ ما صَنَعُوا“ قِراءَةُ العامَّةِ تَلَقَّفْ بِالجَزْمِ والتَّشْدِيدِ أيْ فَألْقِها تَتَلَقَّفْها، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”تَلَقَّفُ“ بِالتَّشْدِيدِ وضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الحالِ أيْ ألْقِها مُتَلَقِّفَةً أوْ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِسُكُونِ اللّامِ مَعَ التَّخْفِيفِ أيْ تَأْخُذْ بِفِيها ابْتِلاعًا بِسُرْعَةٍ، واللَّقْفُ والتَّلَقُّفُ جَمِيعًا يَرْجِعانِ إلى هَذا المَعْنى، و”صَنَعُوا“ هَهُنا بِمَعْنى اخْتَلَقُوا وزَوَّرُوا، والعَرَبُ تَقُولُ في الكَذِبِ: هو كَلامٌ مَصْنُوعٌ ومَوْضُوعٌ وصِحَّةُ قَوْلِهِ: ﴿تَلْقَفْ﴾ أنَّهُ إذا ألْقى ذَلِكَ وصارَتْ حَيَّةً تَلَقَّفَتْ ما صَنَعُوا وفي قَوْلِهِ: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ ألْقى العَصا وصارَتْ حَيَّةً وتَلَقَّفَتْ ما صَنَعُوهُ، وفي التَّلَقُّفِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ جَمِيعَ ما ألْقَوْهُ تَلَقَّفَتْهُ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ عِظَمِ جَسَدِها وشِدَّةِ قُوَّتِها. وقَدْ حُكِيَ عَنِ السَّحَرَةِ أنَّهم عِنْدَ التَّلَقُّفِ أيْقَنُوا بِأنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِن مَقْدُورِ البَشَرِ مِن وُجُوهٍ: