Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 20:57-58
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أرى فِرْعَوْنَ الآياتِ كُلَّها ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَقْبَلْها، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالآياتِ، فَقالَ بَعْضُهم: أرادَ كُلَّ الأدِلَّةِ ما يَتَّصِلُ بِالتَّوْحِيدِ وما يَتَّصِلُ بِالنُّبُوَّةِ، أمّا التَّوْحِيدُ فَما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾، وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ الآيَةَ، وما ذُكِرَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الشعراء: ٢٣] الآياتِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَهي الآياتُ التِّسْعُ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهي العَصا واليَدُ وفَلْقُ البَحْرِ والحَجَرِ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ ونَتْقُ الجَبَلِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ مَعْنى أرَيْناهُ عَرَّفْناهُ صِحَّتَها وأوْضَحْنا لَهُ وجْهَ الدَّلالَةِ فِيها، ومِنهم مَن حَمَلَ ذَلِكَ عَلى ما يَتَّصِلُ بِالنُّبُوَّةِ وهي هَذِهِ المُعْجِزاتُ، وإنَّما أضافَ الآياتِ إلى نَفْسِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعَ أنَّ المُظْهِرَ لَها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ أجْراها عَلى يَدَيْهِ كَما أضافَ نَفْخَ الرُّوحِ إلى نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ [الأنبياء: ٩١] مَعَ أنَّ النَّفْخَ كانَ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ قِيلَ قَوْلُهُ: كُلُّها يُفِيدُ العُمُومَ واللَّهُ تَعالى ما أراهُ جَمِيعَ الآياتِ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ الآياتِ ما أظْهَرَها عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والَّذِينَ كانُوا بَعْدَهُ قُلْنا: لَفْظُ الكُلِّ وإنْ كانَ لِلْعُمُومِ لَكِنْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الخُصُوصِ عِنْدَ القَرِينَةِ كَما يُقالُ: دَخَلْتُ السُّوقَ فاشْتَرَيْتُ كُلَّ شَيْءٍ أوْ يُقالُ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أراهُ آياتِهِ وعَدَّدَ عَلَيْهِ آياتِ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَكَذَّبَ فِرْعَوْنُ بِالكُلِّ أوْ يُقالُ: تَكْذِيبُ بَعْضِ المُعْجِزاتِ يَقْتَضِي تَكْذِيبَ الكُلِّ فَحَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ كَذَّبَ وأبى، قالَ القاضِي: الإباءُ الِامْتِناعُ، وإنَّهُ لا يُوصَفُ بِهِ إلّا مَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَمَّهُ بِأنَّهُ كَذَّبَ وبِأنَّهُ أبى، ولَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ما هو فِيهِ لَمْ يَصِحَّ، واعْلَمْ أنَّ هَذا السُّؤالَ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] والجَوابُ مَذْكُورٌ هُناكَ، ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى شُبْهَةَ فِرْعَوْنَ وهي قَوْلُهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يامُوسى﴾ وتَرْكِيبُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عَجِيبٌ وذَلِكَ لِأنَّهُ ألْقى في مَسامِعِهِمْ ما يَصِيرُونَ بِهِ مُبْغِضِينَ لَهُ جِدًّا وهو قَوْلُهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ هَذا مِمّا يَشُقُّ عَلى الإنْسانِ في النِّهايَةِ ولِذَلِكَ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مُساوِيًا لِلْقَتْلِ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ