Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 20:46-48
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: يَفْرُطُ مِنَ الإفْراطِ في الأذِيَّةِ أمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ فالمَعْنى يَطْغى بِالتَّخَطِّي إلى أنْ يَقُولَ فِيكَ ما لا يَنْبَغِي لِجَراءَتِهِ عَلَيْكَ، واعْلَمْ أنَّ مَن أُمِرَ بِشَيْءٍ فَحاوَلَ دَفْعَهُ بِأعْذارٍ يَذْكُرُها فَلا بُدَّ وأنْ يَخْتِمَ كَلامَهُ بِما هو الأقْوى وهَذا كَما أنَّ الهُدْهُدَ خَتَمَ عُذْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: ٢٤] فَكَذا هَهُنا بَدَأ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ لِما أنَّ طُغْيانَهُ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى أعْظَمُ مِن إفْراطِهِ في حَقِّ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ فالمُرادُ لا تَخافا مِمّا عَرَضَ في قَلْبِكُما مِنَ الإفْراطِ والطُّغْيانِ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَفْهُومُ مِنَ الكَلامِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يُؤَمِّنْهُما مِنَ الرَّدِّ ولا مِنَ التَّكْذِيبِ بِالآياتِ ومُعارَضَةِ السَّحَرَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الحِراسَةِ والحِفْظِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُقالُ: اللَّهُ مَعَكَ عَلى وجْهِ الدُّعاءِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ فَإنَّ مَن يَكُونُ مَعَ الغَيْرِ وناصِرًا لَهُ وحافِظًا يَجُوزُ أنْ لا يَعْلَمَ كُلَّ ما يَنالُهُ وإنَّما يَحْرُسُهُ فِيما يَعْلَمُ، فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ مَعَهُما بِالحِفْظِ والعِلْمِ في جَمِيعِ ما يَنالُهُما وذَلِكَ هو النِّهايَةُ في إزالَةِ الخَوْفِ قالَ القَفّالُ: قَوْلُهُ: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ والمَعْنى: ﴿يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ بِأنْ لا يَسْمَعَ مِنّا: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ بِأنْ يَقْتُلَنا، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ أسْمَعُ كَلامَهُ مَعَكُما فَأُسَخِّرُهُ لِلِاسْتِماعِ مِنكُما، وأرى أفْعالَهُ فَلا أتْرُكُهُ حَتّى يَفْعَلَ بِكُما ما تَكْرَهانِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ تَعالى سَمِيعًا وبَصِيرًا صِفَتانِ زائِدَتانِ عَلى العِلْمِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ دَلَّ عَلى العِلْمِ فَقَوْلُهُ: ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ لَوْ دَلَّ عَلى العِلْمِ لَكانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا وهو خِلافُ الأصْلِ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ أعادَ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ فَقالَ: ﴿فَأْتِياهُ﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ في المَرَّةِ الأُولى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ وفي