Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 20:39-45
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: أنَّهُ سَبَقَ في قَضائِي وقَدَرِي أنْ أجْعَلَكَ رَسُولًا لِي في وقْتٍ مُعَيَّنٍ عَيَّنْتُهُ لِذَلِكَ فَما جِئْتَ إلّا عَلى ذَلِكَ القَدَرِ لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] .
وثانِيها: عَلى مِقْدارٍ مِنَ الزَّمانِ يُوحى فِيهِ إلى الأنْبِياءِ، وهو رَأْسُ أرْبَعِينَ سَنَةً.
وثالِثُها: أنَّ القَدَرَ هو المَوْعِدُ فَإنْ ثَبَتَ أنَّهُ تَقَدَّمَ هَذا المَوْعِدَ صَحَّ حَمْلُهُ عَلَيْهِ، ولا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ لِاحْتِمالِ أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ كانُوا قَدْ عُيِّنُوا ذَلِكَ المَوْعِدَ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَجِيءَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن جُمْلَةِ مِنَنِهِ عَلَيْهِ، قُلْنا: لِأنَّهُ لَوْلا تَوْفِيقُهُ لَهُ لَما تَهَيَّأ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
* * *
المِنَّةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ والِاصْطِناعُ اتِّخاذُ الصَّنْعَةِ، وهي افْتِعالٌ مِنَ الصُّنْعِ. يُقالُ: اصْطَنَعَ فُلانٌ فُلانًا أيِ اتَّخَذَهُ صَنِيعَهُ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِنَفْسِي﴾ ؟ والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ والتَّكْلِيمِ مَثَّلَ حالَهُ بِحالِ مَن يَراهُ بَعْضُ المُلُوكِ لِجَوامِعِ خِصالٍ فِيهِ أهْلًا لِأنْ يَكُونَ أقْرَبَ النّاسِ مَنزِلَةً إلَيْهِ وأشَدَّهم قُرْبًا مِنهُ.