Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 20:36-38
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً هي مِنِّي، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِنِّي﴾ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ﴿وألْقَيْتُ﴾ فَيَكُونُ المَعْنى عَلى أنِّي أحْبَبْتُكَ ومَن أحَبَّهُ اللَّهُ أحَبَّتْهُ القُلُوبُ، وإمّا أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ، وهَذا هو القَوْلُ الثّانِي، ويَكُونُ ذَلِكَ المَحْذُوفُ صِفَةً لِـ ﴿مَحَبَّةً﴾ أيْ وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً حاصِلَةً مِنِّي واقِعَةً بِخَلْقِي، فَلِذَلِكَ أحَبَّتْكَ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ حَتّى قالَتْ: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص: ٩] .
يُرْوى أنَّهُ كانَتْ عَلى وجْهِهِ مَسْحَةُ جَمالٍ، وفي عَيْنَيْهِ مَلاحَةٌ لا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ مَن رَآهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦] قالَ القاضِي: هَذا الوَجْهُ أقْرَبُ لِأنَّهُ في حالِ صِغَرِهِ لا يَكادُ يُوصَفُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي ظاهِرُها مِن جِهَةِ الدِّينِ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في المُكَلَّفِ مِن حَيْثُ اسْتِحْقاقُ الثَّوابِ، والمُرادُ أنَّ ما ذَكَرْنا مِن كَيْفِيَّتِهِ في الخِلْقَةِ يُسْتَحْلى ويُغْتَبَطُ، فَكَذَلِكَ كانَتْ حالُهُ مَعَ فِرْعَوْنَ وامْرَأتِهِ، وسَهَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنهُما في التَّرْبِيَةِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: بَلِ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ أرْجَحُ؛ لِأنَّ الِاحْتِمالَ الثّانِيَ يُحْوِجُ إلى الإضْمارِ وهو أنْ يُقالَ: وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً حاصِلَةً مِنِّي وواقِعَةً بِتَخْلِيقِي، وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ لا حاجَةَ إلى هَذا الإضْمارِ.