Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 20:25-35
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: لَمْ يَقُلْ: فالعَبْدُ مِنِّي قَرِيبٌ، بَلْ قالَ: أنا مِنهُ قَرِيبٌ، وهَذا فِيهِ سِرٌّ نَفِيسٌ، فَإنَّ العَبْدَ مُمْكِنُ الوُجُودِ فَهو مِن حَيْثُ هو، هو في مَرْكَزِ العَدَمِ وحَضِيضِ الفَناءِ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَرِيبًا، بَلِ القَرِيبُ هو الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّهُ بِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ جَعَلَهُ مَوْجُودًا وقَرَّبَهُ مِن نَفْسِهِ، فالقُرْبُ مِنهُ لا مِنَ العَبْدِ فَلِهَذا قالَ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] .
ورابِعُها: أنَّ الدّاعِيَ ما دامَ يَبْقى خاطِرُهُ مَشْغُولًا بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ لا يَكُونُ داعِيًا لِلَّهِ تَعالى، فَإذا فَنِيَ عَنِ الكُلِّ وصارَ مُسْتَغْرِقًا بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ الأحَدِ الحَقِّ امْتَنَعَ أنْ يَبْقى في مَقامِ الفَناءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ مَعَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى فَلا جَرَمَ رُفِعَتِ الواسِطَةُ مِنَ البَيْنِ فَما قالَ: فَقُلْ إنِّي قَرِيبٌ، بَلْ قالَ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] فَثَبَتَ بِما تَقَرَّرَ فَضْلُ الدُّعاءِ وأنَّهُ مِن أعْظَمِ القُرُباتِ ثُمَّ مِن شَأْنِ العَبْدِ إذا أرادَ أنْ يُتْحِفَ مَوْلاهُ أنْ لا يُتْحِفَهُ إلّا بِأحْسَنِ التُّحَفِ والهَدايا فَلا جَرَمَ أوَّلُ ما أرادَ مُوسى أنْ يُتْحِفَ الحَضْرَةَ الإلَهِيَّةَ بِتُحَفِ الطّاعاتِ والعِباداتِ أتْحَفَها بِالدُّعاءِ فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ .