Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 20:25-35
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وأمّا الصُّورَةُ الثّانِيَةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] فالسَّبَبُ أنَّ قَوْلَهم: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ [طه: ١٠٥] سُؤالٌ إمّا عَنْ قِدَمِها أوْ عَنْ وُجُوبِ بَقائِها، وهَذِهِ المَسْألَةُ مِن أُمَّهاتِ مَسائِلِ أُصُولِ الدِّينِ فَلا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يُجِيبَ بِلَفْظِ الفاءِ المُفِيدِ لِلتَّعْقِيبِ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ أجِبْ عَنْ هَذا السُّؤالِ في الحالِ ولا تَقْتَصِرْ؛ فَإنَّ الشَّكَّ فِيهِ كُفْرٌ ولا تُمْهِلْ هَذا الأمْرَ لِئَلّا يَقَعُوا في الشَّكِّ والشُّبْهَةِ، ثُمَّ كَيْفِيَّةُ الجَوابِ أنَّهُ قالَ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾، ولا شَكَّ أنَّ النَّسْفَ مُمْكِنٌ لِأنَّهُ مُمْكِنٌ في حَقِّ كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الجَبَلِ، والحِسُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُمْكِنًا في حَقِّ كُلِّ الجَبَلِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِقَدِيمٍ ولا واجِبِ الوُجُودِ؛ لِأنَّ القَدِيمَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ والنَّسْفُ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّهم قالُوا: أخْبِرْنا عَنْ إلَهِكَ أهُوَ ذَهَبٌ أوْ فِضَّةٌ أوْ حَدِيدٌ فَقالَ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ولَمْ يَقُلْ: ”فَقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ“ مَعَ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مِنَ المُهِمّاتِ، قُلْنا: إنَّهُ تَعالى لَمْ يَحْكِ في هَذا المَوْضِعِ سُؤالَهم، وحَرْفُ الفاءِ مِنَ الحُرُوفِ العاطِفَةِ فَيَسْتَدْعِي سَبْقَ كَلامٍ، فَلَمّا لَمْ يُوجَدْ تَرَكَ الفاءَ بِخِلافِ هَهُنا فَإنَّهُ
صفحة ٣٢