Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 20:21
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لَمّا نُودِيَ مُوسى وخُصَّ بِتِلْكَ الكَراماتِ العَظِيمَةِ وعَلِمَ أنَّهُ مَبْعُوثٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إلى الخَلْقِ فَلِمَ خافَ ؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ الخَوْفَ كانَ مِن نَفْرَةِ الطَّبْعِ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما شاهَدَ مِثْلَ ذَلِكَ قَطُّ. وأيْضًا فَهَذِهِ الأشْياءُ مَعْلُومَةٌ بِدَلائِلِ العُقُولِ. وعِنْدَ الفَزَعِ الشَّدِيدِ قَدْ يَذْهَلُ الإنْسانُ عَنْهُ. قالَ الشَّيْخُ أبُو القاسِمِ الأنْصارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وذَلِكَ الخَوْفُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى صِدْقِهِ في النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ السّاحِرَ يَعْلَمُ أنَّ الَّذِي أتى بِهِ تَمْوِيهٌ فَلا يَخافُهُ البَتَّةَ.
وثانِيها: قالَ بَعْضُهم: خافَها؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَرَفَ ما لَقِيَ آدَمُ مِنها.
وثالِثُها: أنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: (لا تَخَفْ) لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الخَوْفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ لا يَدُلُّ عَلى وُجُودِ تِلْكَ الطّاعَةِ لَكِنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا﴾ [النمل: ١٠] يَدُلُّ عَلَيْهِ، ولَكِنَّ ذَلِكَ الخَوْفَ إنَّما ظَهَرَ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أظْهَرَ تَعَلُّقَ القَلْبِ بِالعَصا والنَّفْرَةَ عَنِ الثُّعْبانِ، وأمّا مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَما أظْهَرَ الرَّغْبَةَ في الجَنَّةِ ولا النَّفْرَةَ عَنِ النّارِ.