Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 20:17-20
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ فَفِيهِ أسْئِلَةٌ:
صفحة ٢٥
السُّؤالُ الأوَّلُ: ما الحِكْمَةُ في قَلْبِ العَصا حَيَّةً في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟ الجَوابُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى قَلَبَها حَيَّةً لِتَكُونَ مُعْجِزَةً لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْرِفُ بِها نُبُوَّةَ نَفْسِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَذا الوَقْتِ ما سَمِعَ إلّا النِّداءَ، والنِّداءُ وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْعاداتِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عاداتِ المَلائِكَةِ أوِ الجِنِّ فَلا جَرَمَ قَلَبَ اللَّهُ العَصا حَيَّةً؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ دَلِيلًا قاهِرًا والعَجَبُ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: أتَوَكَّأُ عَلَيْها فَصَدَقَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ وجَعَلَها مُتَّكَأً لَهُ بِأنْ جَعَلَها مُعْجِزَةً لَهُ.
وثانِيها: أنَّ النِّداءَ كانَ إكْرامًا لَهُ فَقَلَبَ العَصا حَيَّةً مَزِيدًا في الكَرامَةِ؛ لِيَكُونَ تَوالِي الخَلْعِ والكَراماتِ سَبَبًا لِزَوالِ الوَحْشَةِ عَنْ قَلْبِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ لِيُشاهِدَهُ أوَّلًا فَإذا شاهَدَهُ عِنْدَ فِرْعَوْنَ لا يَخافُهُ.
ورابِعُها: أنَّهُ كانَ راعِيًا فَقِيرًا ثُمَّ إنَّهُ نُصِّبَ لِلْمَنصِبِ العَظِيمِ فَلَعَلَّهُ بَقِيَ في قَلْبِهِ تَعَجُّبٌ مِن ذَلِكَ فَقَلَبَ العَصا حَيَّةً تَنْبِيهًا عَلى أنِّي لَمّا قَدَرْتُ عَلى ذَلِكَ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ مِنِّي نُصْرَةُ مِثْلِكَ في إظْهارِ الدِّينِ.