Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 20:4-7
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والمَلائِكَةِ الرُّوحانِيَّةِ وحَمَلَةِ العَرْشِ وسُكّانِ السَّماواتِ ومَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةِ العَذابِ وكَذا جَمِيعُ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أوَّلُهم آدَمُ وآخِرُهم مُحَمَّدٌ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - وكَذا جَمِيعُ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ في عُلُومِهِمُ الضَّرُورِيَّةِ والكَسْبِيَّةِ والحِرَفِ والصِّناعاتِ، وجَمِيعُ الحَيَواناتِ في إدْراكاتِها وشُعُوراتِها والِاهْتِداءِ إلى مَصالِحِها في أغْذِيَتِها ومَضارِّها ومَنافِعِها، والحاصِلُ لَكَ مِن ذَلِكَ الجُزْءِ أقَلُّ مِنَ الذَّرَّةِ المُؤَلَّفَةِ، ثُمَّ إنَّكَ بِتِلْكَ الذَّرَّةِ عَرَفْتَ أسْرارَ إلَهِيَّتِهِ وصِفاتِهِ الواجِبَةَ والجائِزَةَ والمُسْتَحِيلَةَ. فَإذا كُنْتَ بِهَذِهِ الذَّرَّةِ عَرَفْتَ هَذِهِ الأسْرارَ فَكَيْفَ يَكُونُ عِلْمُهُ بِخَمْسِ دَوانِيقَ ونِصْفٍ، أفَلا يَعْلَمُ بِذَلِكَ العِلْمِ أسْرارَ عُبُودِيَّتِكَ ؟ فَهَذا تَحْقِيقُ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ بَلِ الحَقُّ أنَّ الدِّينارَ بِتَمامِهِ لَهُ؛ لِأنَّ الَّذِي عَلِمْتَهُ فَإنَّما عَلِمْتَهُ بِتَعْلِيمِهِ عَلى ما قالَ: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وقالَ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] ولِهَذا مِثالٌ وهو الشَّمْسُ فَإنَّ ضَوْءُها يَجْعَلُ العالَمَ مُضِيئًا، ولا يَنْتَقِصُ البَتَّةَ مِن ضَوْئِها شَيْءٌ، فَكَذا هَهُنا فَكَيْفَ لا يَكُونُ عالِمًا بِالسِّرِّ والأخْفى، فَإنَّ مِن تَدْبِيراتِهِ في خَلْقِ الأشْجارِ وأنْواعِ النَّباتِ أنَّها لَيْسَ لَها فَمٌ ولا سائِرُ آلاتِ الغِذاءِ فَلا جَرَمَ أُصُولُها مَرْكُوزَةٌ في الأرْضِ تَمْتَصُّ بِها الغِذاءَ فَيَتَأدّى ذَلِكَ الغِذاءُ إلى الأغْصانِ ومِنها إلى العُرُوقِ ومِنها إلى الأوْراقِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى جَعَلَ عُرُوقَها كالأطْنابِ الَّتِي بِها يُمْكِنُ ضَرْبُ الخِيامِ.