Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 20:4-7
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ أخْفى فِعْلٌ يَعْنِي أنَّهُ يَعْلَمُ أسْرارَ العِبادِ وأخْفى عَنْهم ما يَعْلَمُهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يُطابِقُ الجَزاءُ الشَّرْطَ ؟ قُلْنا مَعْناهُ إنْ تَجْهَرْ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى مِن دُعاءٍ أوْ غَيْرِهِ، فاعْلَمْ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ جَهْرِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنِ الجَهْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وإمّا تَعْلِيمًا لِلْعِبادِ أنَّ الجَهْرَ لَيْسَ لِاسْتِماعِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما هو لِغَرَضٍ آخَرَ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لِذاتِهِ عالِمٌ، وأنَّهُ عالِمٌ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ في كُلِّ الأوْقاتِ بِعِلْمٍ واحِدٍ، وذَلِكَ العِلْمُ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، وذَلِكَ العِلْمُ مِن لَوازِمِ ذاتِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالحُدُوثِ أوِ الإمْكانِ والعَبْدُ لا يُشارِكُ الرَّبَّ إلّا في السُّدُسِ الأوَّلِ، وهو أصْلُ العِلْمِ ثُمَّ هَذا السُّدُسُ بَيْنَهُ وبَيْنَ عِبادِهِ أيْضًا نِصْفانِ فَخَمْسَةُ دَوانِيقَ ونِصْفُ جُزْءٍ مِنَ العِلْمِ مُسَلَّمٌ لَهُ، والنِّصْفُ الواحِدُ لِجُمْلَةِ عِبادِهِ، ثُمَّ هَذا الجُزْءُ الواحِدُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ الكَرُوبِيَّةِ
صفحة ٩