Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 19:46-48
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يَرْجُو مِنهُ الإيمانَ فَلَمّا أيِسَ مِن ذَلِكَ تَرَكَ الِاسْتِغْفارَ، ولَعَلَّ في شَرْعِهِ جَوازُ الِاسْتِغْفارِ لِلْكافِرِ الَّذِي يُرْجى مِنهُ الإيمانُ، والدَّلِيلُ عَلى وُقُوعِ هَذا الِاحْتِمالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] فَبَيَّنَ أنَّ المَنعَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ إنَّما يَحْصُلُ بَعْدَ أنْ يَعْرِفُوا (أنَّهم مِن أصْحابِ الجَحِيمِ) .
ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ وعَدَهُ بِالِاسْتِغْفارِ لَوْ آمَنَ، فَلَمّا لَمْ يُؤْمِن لَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُ بَلْ تَبَرَّأ مِنهُ، فَإنْ قِيلَ فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلِمَ مَنَعَنا مِنَ التَّأسِّي بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] قُلْنا الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَنا التَّأسِّي بِهِ في ذَلِكَ لَكِنَّ المَنعَ مِنَ التَّأسِّي بِهِ في ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ مَعْصِيَةً.