Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 19:34-35
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن أجْرى الآيَةَ عَلى ظاهِرِها فَزَعَمَ أنَّهُ تَعالى إذا أحْدَثَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ، إمّا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ قَبْلَ حُدُوثِهِ أوْ حالَ حُدُوثِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ ذَلِكَ خِطابًا مَعَ المَعْدُومِ وهو عَبَثٌ وإنْ كانَ الثّانِي فَهو حالَ حُدُوثِهِ قَدْ وُجِدَ بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ فَأيُّ تَأْثِيرٍ لِقَوْلِهِ (كُنْ) فِيهِ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُنْ﴾ هو التَّخْلِيقُ والتَّكْوِينُ وذَلِكَ لِأنَّ القُدْرَةَ عَلى الشَّيْءِ غَيْرٌ وتَكْوِينُ الشَّيْءِ غَيْرٌ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قادِرٌ في الأزَلِ وغَيْرُ مَكُونٍ في الأزَلِ، ولِأنَّهُ الآنَ قادِرٌ عَلى عَوالِمَ سِوى هَذا العالَمِ وغَيْرُ مَكُونٍ لَها، والقادِرِيَّةُ غَيْرُ المَكُونِيَّةِ، والتَّكْوِينُ لَيْسَ هو نَفْسَ المَكُونِ لِأنّا نَقُولُ: المَكُونُ إنَّما حَدَثَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَوَّنَهُ فَأوْجَدَهُ، فَلَوْ كانَ التَّكْوِينُ نَفْسَ المَكُونِ لَكانَ قَوْلُنا المَكُونُ إنَّما وُجِدَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ تَعالى نازِلًا مَنزِلَةَ قَوْلِنا المَكُونُ إنَّما وُجِدَ بِنَفْسِهِ وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ التَّكْوِينَ غَيْرُ المَكُونِ فَقَوْلُهُ: ﴿كُنْ﴾ إشارَةٌ إلى الصِّفَةِ المُسَمّاةِ بِالتَّكْوِينِ، وقالَ آخَرُونَ قَوْلُهُ: ﴿كُنْ﴾ عِبارَةٌ عَنْ نَفاذِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ في المُمْكِناتِ. فَإنَّ وُقُوعَها بِتِلْكَ القُدْرَةِ والإرادَةِ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ وانْدِفاعٍ يَجْرِي مَجْرى العَبْدِ المُطِيعِ المُسَخَّرِ المُنْقادِ لِأوامِرِ مَوْلاهُ، فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ المَعْنى بِهَذِهِ العِبارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ.