Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 19:22-23
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أحَدُها: ما رَواهُ الثَّعْلَبِيُّ في ”العَرائِسِ“ عَنْ وهْبٍ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ لَمّا حَمَلَتْ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعَها ابْنُ عَمٍّ لَها يُقالُ لَهُ يُوسُفُ النَّجّارُ وكانا مُنْطَلِقَيْنِ إلى المَسْجِدِ الَّذِي عِنْدَ جَبَلِ صَهْيُونَ، وكانَ يُوسُفُ ومَرْيَمُ يَخْدِمانِ ذَلِكَ المَسْجِدَ ولا يُعْلَمُ في أهْلِ زَمانِهِما أحَدٌ أشَدُّ اجْتِهادًا ولا عِبادَةً مِنهُما، وأوَّلُ مَن عَرَفَ حَمْلَ مَرْيَمَ يُوسُفُ فَتَحَيَّرَ في أمْرِها فَكُلَّما أرادَ أنْ يَتَّهِمَها ذَكَرَ صَلاحَها وعِبادَتَها، وأنَّها لَمْ تَغِبْ عَنْهُ ساعَةً قَطُّ، وإذا أرادَ أنْ يُبَرِّئَها رَأى الَّذِي ظَهَرَ بِها مِنَ الحَمْلِ فَأوَّلُ ما تَكَلَّمَ أنَّهُ قالَ إنَّهُ وقَعَ في نَفْسِي مِن أمْرِكِ شَيْءٌ وقَدْ حَرِصْتُ عَلى كِتْمانِهِ فَغَلَبَنِي ذَلِكَ فَرَأيْتُ أنَّ الكَلامَ فِيهِ أشَفى لِصَدْرِي، فَقالَتْ: قُلْ قَوْلًا جَمِيلًا، قالَ: أخْبِرِينِي يا مَرْيَمُ هَلْ يَنْبُتُ زَرْعٌ بِغَيْرِ بَذْرٍ وهَلْ تَنْبُتُ شَجَرَةٌ مِن غَيْرِ غَيْثٍ، وهَلْ يَكُونُ ولَدٌ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ؟ قالَتْ نَعَمْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ أنْبَتَ الزَّرْعَ يَوْمَ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ بَذْرٍ وهَذا البَذْرُ إنَّما حَصَلَ مِنَ الزَّرْعِ الَّذِي أنْبَتَهُ مِن غَيْرِ بَذْرٍ، ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْبَتَ الشَّجَرَةَ مِن غَيْرِ غَيْثٍ وبِالقُدْرَةِ جَعَلَ الغَيْثَ حَياةَ الشَّجَرِ بَعْدَ ما خَلَقَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَلى حِدَةٍ، أوَ تَقُولُ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُنْبِتَ الشَّجَرَةَ حَتّى اسْتَعانَ بِالماءِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرْ عَلى إنْباتِها ؟ فَقالَ يُوسُفُ: لا أقُولُ هَذا ولَكِنِّي أقُولُ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى ما يَشاءُ فَيَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَقالَتْ لَهُ مَرْيَمُ: أوَلَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وامْرَأتَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ ولا أُنْثى ؟ فَعِنْدَ ذَلِكَ زالَتِ التُّهْمَةُ عَنْ قَلْبِهِ وكانَ يَنُوبُ عَنْها في خِدْمَةِ المَسْجِدِ لِاسْتِيلاءِ الضَّعْفِ عَلَيْها بِسَبَبِ الحَمْلِ وضِيقِ القَلْبِ، فَلَمّا دَنا نِفاسُها أوْحى اللَّهُ إلَيْها أنِ اخْرُجِي مِن أرْضِ قَوْمِكِ لِئَلّا يَقْتُلُوا ولَدَكِ فاحْتَمَلَها يُوسُفُ إلى أرْضِ مِصْرَ عَلى حِمارٍ لَهُ، فَلَمّا بَلَغَتْ تِلْكَ البِلادَ أدْرَكَها النِّفاسُ فَألْجَأها إلى أصْلِ نَخْلَةٍ، وذَلِكَ في زَمانِ بَرْدٍ فاحْتَضَنَتْها فَوَضَعَتْ عِنْدَها.