Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 19:16-17
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّها لَمّا جَلَسَتْ في ذَلِكَ المَكانِ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْها الرُّوحَ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا الرُّوحِ فَقالَ الأكْثَرُونَ: إنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ أبُو مُسْلِمٍ إنَّهُ الرُّوحُ الَّذِي تَصَوَّرَ في بَطْنِها بَشَرًا، والأوَّلُ أقْرَبُ لِأنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُسَمّى رُوحًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٩٣، ١٩٤]
صفحة ١٦٨
وسُمِّيَ رُوحًا؛ لِأنَّهُ رُوحانِيٌّ وقِيلَ: خُلِقَ مِنَ الرُّوحِ، وقِيلَ: لِأنَّ الدِّينَ يَحْيا بِهِ أوْ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِرُوحِهِ عَلى المَجازِ مَحَبَّةً لَهُ وتَقْرِيبًا كَما تَقُولُ لِحَبِيبِكَ رُوحِي، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ رَوْحَنا بِالفَتْحِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِما فِيهِ رَوْحُ العِبادِ، وإصابَةُ الرَّوْحِ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِي هو عِدَةُ المُتَّقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ [الواقِعَةِ: ٨٩] أوْ لِأنَّهُ مِنَ المُقَرَّبِينَ وهُمُ المَوْعُودُونَ بِالرَّوْحِ أيْ: مُقَرِّبَنا وذا رَوْحِنا وإذا ثَبَتَ أنَّهُ يُسَمّى رُوحًا فَهو هُنا يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ هو؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [ مَرْيَمَ: ١٩] ولا يَلِيقُ ذَلِكَ إلّا بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ واخْتَلَفُوا في أنَّهُ كَيْفَ ظَهَرَ لَها.
فالأوَّلُ: أنَّهُ ظَهَرَ لَها عَلى صُورَةِ شابٍّ أمَرَدَ حَسَنِ الوَجْهِ سَوِيِّ الخَلْقِ.