Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 19:16-17
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: النَّبْذُ أصْلُهُ الطَّرْحُ والإلْقاءُ، والِانْتِباذُ افْتِعالٌ مِنهُ، ومِنهُ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٧] وانْتَبَذَتْ تَنَحَّتْ يُقالُ: جَلَسَ نُبْذَةً مِنَ النّاسِ، ونَبْذَةً بِضَمِّ النُّونِ وفَتْحِها أيْ: ناحِيَةً، وهَذا إذا جَلَسَ قَرِيبًا مِنكَ حَتّى لَوْ نَبَذْتَ إلَيْهِ شَيْئًا وصَلَ إلَيْهِ، ونَبَذْتُ الشَّيْءَ رَمَيْتُهُ ومِنهُ النَّبِيذُ؛ لِأنَّهُ يُطْرَحُ في الإناءِ وأصْلُهُ مَنبُوذٌ؛ فَصُرِفَ إلى فَعِيلٍ ومِنهُ قِيلَ لِلَّقِيطِ مَنبُوذٌ؛ لِأنَّهُ يُرْمى بِهِ ومِنهُ النَّهْيُ عَنِ المُنابَذَةِ في البَيْعِ وهو أنْ يَقُولَ: إذا نَبَذْتُ إلَيْكَ هَذا الثَّوْبَ أوِ الحَصاةَ فَقَدْ وجَبَ البَيْعُ، إذْ عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ مَعْناهُ تَباعَدَتْ وانْفَرَدَتْ عَلى سُرْعَةٍ إلى مَكانٍ يَلِي ناحِيَةَ الشَّرْقِ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّها مَعَ ذَلِكَ اتَّخَذَتْ مِن دُونِ أهْلِها حِجابًا مَسْتُورًا، وظاهِرُ ذَلِكَ أنَّها لَمْ تَقْتَصِرْ عَلى أنِ انْفَرَدَتْ إلى مَوْضِعٍ بَلْ جَعَلَتْ بَيْنَها وبَيْنَهم حائِلًا مِن حائِطٍ أوْ غَيْرِهِ ويُحْتَمَلُ أنَّها جَعَلَتْ بَيْنَ نَفْسِها وبَيْنَهم سِتْرًا وهَذا الوَجْهُ الثّانِي أظْهَرُ مِنَ الأوَّلِ ثُمَّ لا بُدَّ مِنَ احْتِجابِها مِن أنْ يَكُونَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ ولَيْسَ مَذْكُورًا واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيهِ عَلى وُجُوهٍ: