Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 19:10
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: أنَّهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الكَلامُ مَعَ القَوْمِ عَلى وجْهِ المُخاطَبَةِ مَعَ أنَّهُ كانَ مُتَمَكِّنًا مِن ذِكْرِ اللَّهِ ومِن قِراءَةِ التَّوْراةِ وهَذا القَوْلُ عِنْدِي أصَحُّ لِأنَّ اعْتِقالَ اللِّسانِ مُطْلَقًا قَدْ يَكُونُ لِمَرَضٍ وقَدْ يَكُونُ مِن فِعْلِ اللَّهِ فَلا يَعْرِفُ زَكَرِيّا -عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقالَ مُعْجِزٌ إلّا إذا عَرَفَ أنَّهُ لَيْسَ لِمَرَضٍ بَلْ لِمَحْضِ فِعْلِ اللَّهِ تَعالى مَعَ سَلامَةِ الآلاتِ وهَذا مِمّا لا يُعْرَفُ إلّا بِدَلِيلٍ آخَرَ؛ فَتَفْتَقِرُ تِلْكَ الدَّلالَةُ إلى دَلالَةٍ أُخْرى، أمّا لَوِ اعْتُقِلَ لِسانُهُ عَنِ الكَلامِ مَعَ القَوْمِ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى التَّكَلُّمِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وقِراءَةِ التَّوْراةِ عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقالَ لَيْسَ لِعِلَّةٍ ومَرَضٍ بَلْ هو لِمَحْضِ فِعْلِ اللَّهِ فَيَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ آيَةً ومُعْجِزَةً ومِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ خَصَّ ذَلِكَ بِالتَّكَلُّمِ مَعَ النّاسِ، وهَذا يَدُلُّ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ أنَّهُ كانَ قادِرًا عَلى التَّكَلُّمِ مَعَ غَيْرِ النّاسِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في مَعْنى ﴿سَوِيًّا﴾ فَقالَ بَعْضُهم: هو صِفَةٌ لِلَّيالِي الثَّلاثِ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو صِفَةٌ لِزَكَرِيّا، والمَعْنى: آيَتُكَ أنْ لا تُكَلِّمَ النّاسَ في هَذِهِ المُدَّةِ مَعَ كَوْنِكَ سَوِيًّا لَمْ يَحْدُثْ بِكَ مَرَضٌ.