Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 19:8
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ خُصُوصَ الوَلَدِ فالسُّؤالُ زائِلٌ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ طَلَبَ الوَلَدَ فالجَوابُ عَنْهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ هو التَّعَجُّبُ مِن أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُهُما شابَّيْنِ ثُمَّ يَرْزُقُهُما الوَلَدَ أوْ يَتْرُكُهُما شَيْخَيْنِ ويَرْزُقُهُما الوَلَدَ مَعَ الشَّيْخُوخَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْلامِ لا بِطْرِيقِ التَّعْجِيبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٩، ٩٠) وما هَذا الإصْلاحُ إلّا أنَّهُ أعادَ قُوَّةَ الوِلادَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ، وذَكَرَ السُّدِّيُّ في الجَوابِ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: إنَّهُ لَمّا سَمِعَ النِّداءَ بِالبِشارَةِ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: إنَّ هَذا الصَّوْتَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَلْ هو مِنَ الشَّيْطانِ يَسْخَرُ مِنكَ، فَلَمّا شَكَّ زَكَرِيّا قالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ غَرَضَ السُّدِّيِّ مِن هَذا أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ عَلِمَ أنَّ المُبَشِّرَ بِذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى لَما جازَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ؛ فارْتَكَبَ هَذا، وقالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ هَذا باطِلٌ قَطْعًا؛ إذْ لَوْ جَوَّزَ الأنْبِياءُ في بَعْضِ ما يَرِدُ عَنِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مِنَ الشَّيْطانِ لَجَوَّزُوا في سائِرِهِ ولَزالَتِ الثِّقَةُ عَنْهم في الوَحْيِ وعَنّا فِيما يُورِدُونَهُ إلَيْنا، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ هَذا الِاحْتِمالَ قائِمٌ في أوَّلِ الأمْرِ وإنَّما يَزُولُ بِالمُعْجِزَةِ فَلَعَلَّ المُعْجِزَةَ لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً في هَذِهِ الصُّورَةِ فَحَصَلَ الشَّكُّ فِيها دُونَ ما عَداها، واللَّهُ أعْلَمُ.