Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 19:4-6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: المُرادُ بِالرَّضِيِّ أنْ يَكُونَ رَضِيًّا في أُمَّتِهِ لا يُتَلَقّى بِالتَّكْذِيبِ ولا يُواجَهُ بِالرَّدِّ.
وثالِثُها: المُرادُ بِالرَّضِيِّ أنْ لا يَكُونَ مُتَّهَمًا في شَيْءٍ ولا
صفحة ١٥٨
يُوجَدُ فِيهِ مَطْعَنٌ ولا يُنْسَبُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي.
ورابِعُها: أنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ قالا في الدُّعاءِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (البَقَرَةِ: ١٨٢) وكانا في ذَلِكَ الوَقْتِ مُسْلِمَيْنِ، وكَأنَّ المُرادَ هُناكَ ثَبِّتْنا عَلى هَذا أوِ المُرادُ اجْعَلْنا فاضِلَيْنِ مِن أنْبِيائِكَ المُسْلِمِينَ فَكَذا هَهُنا، واحْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأفْعالِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ رَضِيًّا بِفِعْلِهِ، فَلَمّا سَألَ اللَّهَ تَعالى جَعْلَهُ رَضِيًّا دَلَّ عَلى أنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى. فَإنْ قِيلَ: المُرادُ مِنهُ أنْ يَلْطُفَ لَهُ بِضُرُوبِ الألْطافِ فَيَخْتارَ ما يَصِيرُ مَرْضِيًّا فَيُنْسَبَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى.
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ جَعْلَهُ رَضِيًّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى جَعْلِ الألْطافِ وعِنْدَها يَصِيرُ المَرْءُ بِاخْتِيارِهِ رَضِيًّا لَكانَ ذَلِكَ مَجازًا وهو خِلافُ الأصْلِ.
والثّانِي: أنَّ جَعْلَ تِلْكَ الألْطافِ واجِبَةً عَلى اللَّهِ تَعالى لا يَجُوزُ الإخْلالُ بِهِ وما كانَ واجِبًا لا يَجُوزُ طَلَبُهُ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ.