Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 19:4-6
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ راعى سُنَّةَ اللَّهِ في إخْفاءِ دَعْوَتِهِ لِأنَّ الجَهْرَ والإخْفاءَ عِنْدَ اللَّهِ سِيّانِ؛ فَكانَ الإخْفاءُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ، وأدْخَلُ في الإخْلاصِ.
وثانِيها: أخْفاهُ لِئَلّا يُلامَ عَلى طَلَبِ الوَلَدِ في زَمانِ الشَّيْخُوخَةِ.
وثالِثُها: أسَرَّهُ مِن مَوالِيهِ الَّذِينَ خافَهم.
ورابِعُها: خَفِيَ صَوْتُهُ لِضَعْفِهِ وهَرَمِهِ كَما جاءَ في صِفَةِ الشَّيْخِ: صَوْتُهُ خُفاتٌ وسَمْعُهُ تاراتٌ، فَإنْ قِيلَ مِن شَرْطِ النِّداءِ الجَهْرُ؛ فَكَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِهِ نِداءً وخَفِيًّا، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ أتى بِأقْصى ما قَدَرَ عَلَيْهِ مِن رَفْعِ الصَّوْتِ إلّا أنَّ الصَّوْتَ كانَ ضَعِيفًا لِنِهايَةِ الضَّعْفِ بِسَبَبِ الكِبَرِ؛ فَكانَ نِداءً نَظَرًا إلى قَصْدِهِ، وخَفِيًّا نَظَرًا إلى الواقِعِ.
الثّانِي: أنَّهُ دَعا في الصَّلاةِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أجابَهُ في الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى﴾ (آلِ عِمْرانَ: ٣٩) فَكَوْنُ الإجابَةِ في الصَّلاةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الدُّعاءِ في الصَّلاةِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ النِّداءُ فِيها خَفِيًّا.