Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:107-109
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُهم إنَّهُ تَعالى جَعَلَ الجَنَّةَ بِكُلِّيَّتِها نُزُلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، والكَرِيمُ إذا أعْطى النُّزُلَ أوَّلًا فَلا بُدَّ أنْ يُتْبِعَهُ بِالخُلْعَةِ، ولَيْسَ بَعْدَ الجَنَّةِ بِكُلِّيَّتِها إلّا رُؤْيَةَ اللَّهِ، فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ في الآيَةِ الأُولى جُمْلَةَ جَهَنَّمَ نُزُلًا لِلْكافِرِينَ، ولَمْ يَبْقَ بَعْدَ جُمْلَةِ جَهَنَّمَ عَذابٌ آخَرُ، فَكَذَلِكَ هَهُنا جَعَلَ جُمْلَةَ الجَنَّةِ نُزُلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ بَعْدَ الجَنَّةِ، والجَوابُ: قُلْنا لِلْكافِرِ بَعْدَ حُصُولِ جَهَنَّمَ مَرْتَبَةٌ أعْلى مِنها وهو كَوْنُهُ مَحْجُوبًا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ١٥، ١٦] فَجَعَلَ الصِّلاءَ بِالنّارِ مُتَأخِّرًا في المَرْتَبَةِ عَنْ كَوْنِهِ مَحْجُوبًا عَنِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ الحِوَلُ التَّحَوُّلُ، يُقالُ: حالَ مِن مَكانِهِ حِوَلًا كَقَوْلِهِ عادَ في حُبِّها عَوْدًا يَعْنِي لا مَزِيدَ عَلى سِعاداتِ الجَنَّةِ وخَيْراتِها، حَتّى يُرِيدَ أشْياءَ غَيْرَها، وهَذا الوَصْفُ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الكَمالِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في الدُّنْيا إذا وصَلَ إلى أيِّ دَرَجَةٍ كانَتْ في السَّعاداتِ، فَهو طامِحُ الطَّرْفِ إلى ما هو أعْلى مِنها.