cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:79

Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi

والمَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أيْضًا كَذَلِكَ لِأنَّ المَشَقَّةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الإقْدامِ عَلى إقامَةِ ذَلِكَ الجِدارِ ضَرَرُها أقَلُّ مِن سُقُوطِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ سَقَطَ لَضاعَ مالُ تِلْكَ الأيْتامِ، وفِيهِ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، فالحاصِلُ أنَّ ذَلِكَ العالِمَ كانَ مَخْصُوصًا بِالوُقُوفِ عَلى بَواطِنِ الأشْياءِ وبِالِاطِّلاعِ عَلى حَقائِقِها كَما هي عَلَيْها في أنْفُسِها، وكانَ مَخْصُوصًا بِبِناءِ الأحْكامِ الحَقِيقِيَّةِ عَلى تِلْكَ الأحْوالِ الباطِنَةِ، وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَما كانَ كَذَلِكَ بَلْ كانَتْ أحْكامُهُ مَبْنِيَّةً عَلى ظَواهِرِ الأُمُورِ فَلا جَرَمَ ظَهَرَ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في العِلْمِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى أطْلَعَهُ عَلى بَواطِنِ الأشْياءِ وحَقائِقِها في نَفْسِها، وهَذا النَّوْعُ مِنَ العِلْمِ لا يُمْكِنُ تَعَلُّمُهُ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَهَبَ إلَيْهِ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ العِلْمَ فَكانَ مِنَ الواجِبِ عَلى ذَلِكَ العالِمِ أنْ يُظْهِرَ لَهُ عِلْمًا يُمْكِنُ لَهُ تَعَلُّمُهُ، وهَذِهِ المَسائِلُ الثَّلاثَةُ عُلُومٌ لا يُمْكِنُ تَعَلُّمُها؛ فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِها وإظْهارِها ؟ والجَوابُ: أنَّ العِلْمَ بِظَواهِرِ الأشْياءِ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِناءً عَلى مَعْرِفَةِ الشَّرائِعِ الظّاهِرَةِ، وأمّا العِلْمُ بِبَواطِنِ الأشْياءِ فَإنَّما يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِناءً عَلى تَصْفِيَةِ الباطِنِ وتَجْرِيدِ النَّفْسِ وتَطْهِيرِ القَلْبِ عَنِ العَلائِقِ الجَسَدانِيَّةِ، ولِهَذا قالَ تَعالى في صِفَةِ عِلْمِ ذَلِكَ العالِمِ: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ (الكَهْفِ: ٦٥)، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَمُلَتْ مَرْتَبَتُهُ في عِلْمِ الشَّرِيعَةِ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى هَذا العالِمِ لِيَعْلَمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ كَمالَ الدَّرَجَةِ في أنْ يَنْتَقِلَ الإنْسانُ مِن عُلُومِ الشَّرِيعَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الظَّواهِرِ إلى عُلُومِ الباطِنِ المَبْنِيَّةِ عَلى الإشْرافِ عَلى البَواطِنِ والتَّطَلُّعِ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.