Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:65-66
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (رَشَدًا) بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- بِضَمِّ الرّاءِ والشِّينِ، والباقُونَ بِضَمِّ الرّاءِ وتَسْكِينِ الشِّينِ، قالَ القَفّالُ: وهي لُغاتٌ في مَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ: رُشْدٌ ورَشَدٌ مِثْلَ: نُكْرٌ ونَكْرٌ، كَما يُقالُ: سُقْمٌ وسَقَمٌ، وشُغْلٌ وشَغْلٌ، وبُخْلٌ وبَخَلٌ، وعُدْمٌ وعَدَمٌ، وقَوْلُهُ: ﴿رُشْدًا﴾ أيْ عِلْمًا ذا رُشْدٍ، قالَ القَفّالُ: قَوْلُهُ: ﴿رُشْدًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الرُّشْدُ راجِعًا إلى الخَضِرِ أيْ مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وأرْشَدَكَ بِهِ.
والثّانِي: أنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إلى مُوسى، ويَكُونُ المَعْنى عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي وتُرْشِدَنِي مِمّا عُلِّمْتَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ راعى أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الأدَبِ واللُّطْفِ عِنْدَما أرادَ أنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ الخَضِرِ:
فَأحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ تَبَعًا لَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ .
وثانِيها: أنَّهُ اسْتَأْذَنَ في إثْباتِ هَذِهِ التَّبَعِيَّةِ، فَإنَّهُ قالَ: هَلْ تَأْذَنُ لِي أنْ أجْعَلَ نَفْسِي تَبَعًا لَكَ، وهَذِهُ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في التَّواضُعِ.
وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: ﴿عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ وهَذا إقْرارٌ لَهُ عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَلى أُسْتاذِهِ بِالعِلْمِ.