Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:60-64
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اعْلَمْ أنَّ هَذا ابْتِداءُ قِصَّةٍ ثالِثَةٍ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ وهي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ إلى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ العِلْمَ، وهَذا وإنْ كانَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا في نَفْسِهِ إلّا أنَّهُ يُعِينُ عَلى ما هو المَقْصُودُ في القِصَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، أمّا نَفْعُ هَذِهِ القِصَّةِ في الرَّدِّ عَلى الكُفّارِ الَّذِينَ افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأنْصارِ، فَهو أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ كَثْرَةِ عِلْمِهِ وعَمَلِهِ وعُلُوِّ مَنصِبِهِ واسْتِجْماعِ مُوجِباتِ الشَّرَفِ التّامِّ في حَقِّهِ ذَهَبَ إلى الخَضِرِ لِطَلَبِ العِلْمِ وتَواضَعَ لَهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّواضُعَ خَيْرٌ مِنَ التَّكَبُّرِ، وأمّا نَفْعُ هَذِهِ القِصَّةِ في قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَهو أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِكُفّارِ مَكَّةَ: إنْ أخْبَرَكم مُحَمَّدٌ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ، فَهو نَبِيٌّ وإلّا فَلا، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ عالِمًا بِجَمِيعِ القِصَصِ والوَقائِعِ، كَما أنَّ كَوْنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًّا صادِقًا مِن عِنْدِ اللَّهِ لَمْ يَمْنَعْ مِن أمْرِ اللَّهِ إيّاهُ بِأنْ يَذْهَبَ إلى الخَضِرِ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ، فَظَهَرَ مِمّا ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها، ومَعَ ذَلِكَ فَهي نافِعَةٌ في تَقْرِيرِ المَقْصُودِ في القِصَّتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ.