Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:50-53
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ الرَّدُّ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأعْوانِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ الآيَةُ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِها عَيْنُ هَذا المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ إبْلِيسَ إنَّما تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ؛ لِأنَّهُ افْتَخَرَ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ، وقالَ: خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ فَأنا أشْرَفُ مِنهُ في الأصْلِ والنَّسَبِ، فَكَيْفَ أسْجُدُ وكَيْفَ أتَواضَعُ لَهُ ؟ وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ عامَلُوا فُقَراءَ المُسْلِمِينَ بِعَيْنِ هَذِهِ المُعامَلَةِ، فَقالُوا: كَيْفَ نَجْلِسُ مَعَ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ مَعَ أنّا مِن أنْسابٍ شَرِيفَةٍ وهم مِن أنْسابٍ نازِلَةٍ، ونَحْنُ أغْنِياءُ وهم فُقَراءُ ؟ فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ هَهُنا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ هي بِعَيْنِها طَرِيقَةُ إبْلِيسَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَذَّرَ عَنْها وعَنِ الِاقْتِداءِ بِها في قَوْلِهِ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ وهو حَسَنٌ مُعْتَبَرٌ، وذَكَرَ القاضِي وجْهًا آخَرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ أمْرَ القِيامَةِ وما يَجْرِي عِنْدَ الحَشْرِ ووَضْعَ الكِتابِ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرِيدُ أنْ يَذْكُرَ هَهُنا أنَّهُ يُنادِي المُشْرِكِينَ، ويَقُولُ لَهم: أيْنَ شُرَكائِي الَّذِي زَعَمْتُمْ وكانَ قَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ إبْلِيسَ هو الَّذِي يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى إثْباتِ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ قِصَّتَهُ في هَذِهِ الآيَةِ إتْمامًا لِذَلِكَ الغَرَضِ، ثُمَّ قالَ القاضِي: وهَذِهِ القِصَّةُ وإنْ كانَ تَعالى قَدْ كَرَّرَها في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ إلّا أنَّ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنها فائِدَةً مُجَدَّدَةً.