Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:47-49
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ مِن أحْوالِ القِيامَةِ أنْواعًا:
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ (تُسَيَّرُ) عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، (الجِبالُ) بِالرَّفْعِ بِإسْنادِ (تُسَيَّرُ) إلَيْهِ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ (التَّكْوِيرِ: ٣) والباقُونَ (نَسَيِّرُ) بِإسْنادِ فِعْلِ التَّسْيِيرِ إلى نَفْسِهِ تَعالى، (والجِبالَ) بِالنَّصْبِ لِكَوْنِهِ مَفْعُولَ نُسَيِّرُ، والمَعْنى نَحْنُ نَفْعَلُ بِها ذَلِكَ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّها إذا سُيِّرَتْ فَمُسَيِّرُها لَيْسَ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ.
ونَقَلَ صاحِبُ الكَشّافِ قِراءَةً أُخْرى وهي: (تَسِيرُ الجِبالُ) بِإسْنادِ تَسِيرُ إلى الجِبالِ.
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ لَيْسَ في لَفْظِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها إلى أيْنَ تَسِيرُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يُسَيِّرُها إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ ولَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ المَوْضِعَ لِخَلْقِهِ، والحَقُّ أنَّ المُرادَ: أنَّهُ تَعالى يُسَيِّرُها إلى العَدَمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ (طَهَ: ١٠٧) ولِقَوْلِهِ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ (الواقِعَةِ: ٥) .