Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:32-44
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ وهو كِنايَةٌ عَنِ النَّدَمِ والحَسْرَةِ، فَإنَّ مَن عَظُمَتْ حَسْرَتُهُ يُصَفِّقُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ يَمْسَحُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، وإنَّما يَفْعَلُ هَذا نَدامَةً عَلى ما أنْفَقَ في الجَنَّةِ الَّتِي وعَظَهُ أخُوهُ فِيها وعَذَلَهُ: ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالعُرُوشِ عُرُوشَ الكَرْمِ، فَهَذِهِ العُرُوشُ سَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتِ الجُدْرانُ عَلَيْها، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مِنَ العُرُوشِ السُّقُوفُ وهي سَقَطَتْ عَلى الجُدْرانِ، وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كِنايَةٌ عَنْ بُطْلانِها وهَلاكِها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ والمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ لَمّا قالَ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَهَذا الكافِرُ تَذَّكَّرَ كَلامَهُ وقالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَإنْ قِيلَ: هَذا الكَلامُ يُوهِمُ أنَّهُ إنَّما هَلَكَتْ جَنَّتُهُ بِشُؤْمِ شِرْكِهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ أنْواعَ البَلاءِ أكْثَرُها إنَّما يَقَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فَضَّةٍ ومَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٣) وقالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: ”«خُصَّ البَلاءُ بِالأنْبِياءِ ثُمَّ الأوْلِياءِ، ثُمَّ الأمْثَلِ فالأمْثَلِ» “، وأيْضًا فَلَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُ يالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ فَقَدْ نَدِمَ عَلى الشِّرْكِ ورَغِبَ في التَّوْحِيدِ فَوَجَبَ أنْ يَصِيرَ مُؤْمِنًا، فَلِمَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مُنْتَصِرًا﴾ .