Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:32-44
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اللَّهُمَّ إنِّي اشْتَرَيْتُ مِنكَ الوِلْدانَ بِألْفٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، ثُمَّ أصابَهُ حاجَةٌ، فَجَلَسَ لِأخِيهِ عَلى طَرِيقِهِ فَمَرَّ بِهِ في حَشَمِهِ فَتَعَرَّضَ لَهُ فَطَرَدَهُ ووَبَّخَهُ عَلى التَّصَدُّقِ بِمالِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ﴾، فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ تِلْكَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ:
الصِّفَةُ الأُولى: كَوْنُها جَنَّةً، وسُمِّيَ البُسْتانُ جَنَّةً؛ لِاسْتِتارِ ما يَسْتَتِرُ فِيها بِظِلِّ الأشْجارِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ أيْ وجَعَلْنا النَّخْلَ مُحِيطًا بِالجَنَّتَيْنِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ (الزُّمَرِ: ٧٥) أيْ واقِفِينَ حَوْلَ العَرْشِ مُحِيطِينَ بِهِ، والحِفافُ جانِبُ الشَّيْءِ، والأحِفَّةُ جَمْعٌ، فَمَعْنى قَوْلِ القائِلِ: حَفَّ بِهِ القَوْمُ أيْ صارُوا في أحِفَّتِهِ، وهي جَوانِبُهُ، قالَ الشّاعِرُ:
لَهُ لَحَظاتٌ في حَفافَيْ سَرِيرِهِ إذا كَرَّها فِيها عِقابٌ ونائِلُ
قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: حَفُّوهُ إذا طافُوا بِهِ، وحَفَّفْتُهُ بِهِمْ أيْ جَعَلْتُهم حافِّينَ حَوْلَهُ، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَتَزِيدُهُ الباءُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِهِ: غَشِيتُهُ وغَشِيتُهُ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ الصِّفَةُ مِمّا يُؤْثِرُها الدَّهّاقِينُ في كُرُومِهِمْ، وهي أنْ يَجْعَلُوها مَحْفُوفَةً بِالأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وهو أيْضًا حُسْنٌ في المَنظَرِ.