Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:29
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أنَّ حُصُولَ الإيمانِ، وحُصُولَ الكُفْرِ مَوْقُوفٌ عَلى حُصُولِ مَشِيئَةِ الإيمانِ وحُصُولِ مَشِيئَةِ الكُفْرِ وصَرِيحُ العَقْلِ أيْضًا يَدُلُّ لَهُ، فَإنَّ العَقْلَ الِاخْتِيارِيَّ يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ بِدُونِ القَصْدِ إلَيْهِ وبِدُونِ الِاخْتِيارِ لَهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حُصُولُ ذَلِكَ القَصْدِ والِاخْتِيارِ إنْ كانَ بِقَصْدٍ آخَرَ يَتَقَدَّمُهُ واخْتِيارٍ آخَرَ يَتَقَدَّمُهُ لَزِمَهُ أنْ يَكُونَ كُلُّ قَصْدٍ واخْتِيارٍ مَسْبُوقًا بِقَصْدٍ آخَرَ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ وهو مُحالٌ، فَوَجَبَ انْتِهاءُ تِلْكَ القُصُودِ وتِلْكَ الِاخْتِياراتِ إلى قَصْدٍ واخْتِيارٍ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في العَبْدِ عَلى سَبِيلِ الضَّرُورَةِ عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ القَصْدِ الضَّرُورِيِّ، والِاخْتِيارُ الضَّرُورِيُّ يُوجِبِ الفِعْلَ، فالإنْسانُ شاءَ أوْ لَمْ يَشَأْ إنْ لَمْ تَحْصُلْ في قَلْبِهِ تِلْكَ المَشِيئَةُ الجازِمَةُ الخالِيَةُ عَنِ المُعارِضِ لَمْ يَتَرَتَّبِ الفِعْلُ، وإذا حَصَلَتْ تِلْكَ المَشِيئَةُ الجازِمَةُ شاءَ أوْ لَمْ يَشَأْ يَجِبُ تَرَتُّبُ الفِعْلِ عَلَيْهِ، فَلا حُصُولُ المَشِيئَةِ مُتَرَتِّبٌ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ، ولا حُصُولُ الفِعْلِ مُتَرَتِّبٌ عَلى المَشِيئَةِ، فالإنْسانُ مُضْطَرٌّ في صُورَةِ مُخْتارٍ، ولَقَدْ قَرَّرَ الشَّيْخُ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- هَذا المَعْنى في بابِ التَّوَكُّلِ مِن كِتابِ إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ، فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: إنِّي أجِدُ في نَفْسِي وِجْدانًا ضَرُورِيًّا أنِّي إنْ شِئْتُ الفِعْلَ قَدَرْتُ عَلى الفِعْلِ، وإنْ شِئْتُ التَّرْكَ قَدَرْتُ عَلى التَّرْكِ، فالفِعْلُ والتَّرْكُ بِي لا بِغَيْرِي، وأجابَ عَنْهُ، وقالَ: هَبْ أنَّكَ تَجِدُ مِن نَفْسِكَ هَذا المَعْنى ولَكِنْ هَلْ تَجِدُ مِن نَفْسِكَ أنَّكَ إنْ شِئْتَ مَشِيئَةَ الفِعْلِ حَصَلَتْ تِلْكَ المَشِيئَةُ، وإنْ لَمْ تَشَأْ تِلْكَ المَشِيئَةَ لَمْ تَحْصُلْ، بَلِ العَقْلُ يَشْهَدُ بِأنَّهُ يَشاءُ الفِعْلَ لا بِسَبْقِ مَشِيئَةٍ أُخْرى عَلى تِلْكَ المَشِيئَةِ، وإذا شاءَ الفِعْلَ وجَبَ حُصُولُ الفِعْلِ مِن غَيْرِ مُكْنَةٍ واخْتِيارٍ في هَذا المَقامِ فَحُصُولُ المَشِيئَةِ في القَلْبِ أمْرٌ لازِمٌ وتَرَتُّبُ الفِعْلِ عَلى حُصُولِ المَشِيئَةِ أيْضًا أمْرٌ لازِمٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.