Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:29
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والوَجْهُ الثّالِثُ في تَقْرِيرِ النَّظْمِ: أنْ يَكُونَ المُرادُ هو أنَّ الحَقَّ الَّذِي جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَأْذَنْ في طَرْدِ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا؛ لِأجْلِ أنْ يَدْخُلَ في الإيمانِ جَمْعٌ مِنَ الكُفّارِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ العَقْلَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الأهَمِّ عَلى المُهِمِّ، فَطَرْدُ أُولَئِكَ الفُقَراءِ لا يُوجِبُ إلّا سُقُوطَ حُرْمَتِهِمْ وهَذا ضَرَرٌ قَلِيلٌ، أمّا عَدَمُ طَرْدِهِمْ فَإنَّهُ يُوجِبُ بَقاءَ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ، وهَذا ضَرَرٌ عَظِيمٌ ؟ قُلْنا: أمّا عَدَمُ طَرْدِهِمْ فَإنَّهُ يُوجِبُ بَقاءَ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ فَمُسَلَّمٌ إلّا أنَّ مَن تَرَكَ الإيمانَ لِأجْلِ الحَذَرِ مِن مُجالَسَةِ الفُقَراءِ فَإيمانُهُ لَيْسَ بِإيمانٍ بَلْ هو نِفاقٌ قَبِيحٌ، فَوَجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلى إيمانِ مَن هَذا حالُهُ وصِفَتُهُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ الأمْرَ في الإيمانِ والكُفْرِ والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ مُفَوَّضٌ إلى العَبْدِ واخْتِيارِهِ، فَمَن أنْكَرَ ذَلِكَ فَقَدْ خالَفَ صَرِيحَ القُرْآنِ، ولَقَدْ سَألَنِي بَعْضُهم عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقُلْتُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في
صفحة ١٠٢