Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:27-28
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ١٠٠
إثْباتِ هَذا المَطْلُوبِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ هو إيجادُ الغَفْلَةِ لا وِجْدانُها، أمّا حَدِيثُ المَدْحِ والذَّمِّ، فَقَدْ عارَضْناهُ مِرارًا وأطْوارًا بِالعِلْمِ والدّاعِي، أمّا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكَهْفِ: ١٢٥) فالبَحْثُ عَنْهُ سَيَأْتِي -إنْ شاءَ اللَّهُ- تَعالى، أمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾ لَوْ كانَ المُرادُ إيجادَ الغَفْلَةِ لَوَجَبَ ذِكْرُ الفاءِ، لا ذِكْرُ الواوِ، فَنَقُولُ: هَذا إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ خَلْقُ الغَفْلَةِ في القَلْبِ مِن لَوازِمِهِ حُصُولُ اتِّباعِ الهَوى، كَما أنَّ الكَسْرَ مِن لَوازِمِهِ حُصُولُ الِانْكِسارِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن حُصُولِ الغَفْلَةِ عَنِ اللَّهِ حُصُولُ مُتابَعَةِ الهَوى لِاحْتِمالِ أنْ يَصِيرَ غافِلًا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَتَّبِعُ الهَوى، بَلْ يَبْقى مُتَوَقِّفًا لا يُنافِي مَقامَ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ والخَوْفِ مِنَ الكُلِّ فَسَقَطَ هَذا السُّؤالُ، وذَكَرَ القَفّالُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ وُجُوهًا أُخْرى:
فَأحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا صَبَّ عَلَيْهِمُ الدُّنْيا صَبًّا، وأدّى ذَلِكَ إلى رُسُوخِ الغَفْلَةِ في قُلُوبِهِمْ، صَحَّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ تَعالى حَصَّلَ الغَفْلَةَ في قُلُوبِهِمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ (نُوحٍ: ٦) .