Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:18
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وقَوْلُهُ: ﴿ذاتَ﴾ مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّ المَعْنى ﴿ونُقَلِّبُهُمْ﴾ في ناحِيَةِ ﴿اليَمِينِ﴾ أوْ عَلى ناحِيَةِ ﴿اليَمِينِ﴾ كَما قُلْنا في قَوْلِهِ: ﴿تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: إنَّهم هَرَبُوا لَيْلًا مِن مَلِكِهِمْ، فَمَرُّوا بِراعٍ مَعَهُ كَلْبٌ فَتَبِعَهم عَلى دِينِهِمْ ومَعَهُ كَلْبُهُ، وقالَ كَعْبٌ: مَرُّوا بِكَلْبٍ، فَنَبَحَ عَلَيْهِمْ فَطَرَدُوهُ، فَعادَ فَفَعَلُوا مِرارًا، فَقالَ لَهُمُ الكَلْبُ: ما تُرِيدُونَ مِنِّي لا تَخْشَوْا جانِبِي، أنا أُحِبُّ أحِبّاءَ اللَّهِ فَنامُوا حَتّى أحْرُسَكم، وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: كانَ ذَلِكَ كَلْبَ صَيْدِهِمْ، ومَعْنى: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ أيْ يُلْقِيهِما عَلى الأرْضِ مَبْسُوطَتَيْنِ غَيْرَ مَقْبُوضَتَيْنِ، ومِنهُ الحَدِيثُ في الصَّلاةِ: «”أنَّهُ نَهى عَنِ افْتِراشِ السَّبُعِ“» وقالَ: «”لا تَفْتَرِشْ ذِراعَيْكَ افْتِراشَ السَّبُعِ“» قَوْلُهُ: ﴿بِالوَصِيدِ﴾ يَعْنِي فِناءَ الكَهْفِ، قالَ الزَّجّاجُ: الوَصِيدُ فِناءُ البَيْتِ وفِناءُ الدّارِ، وجَمْعُهُ وصائِدُ ووُصُدٌ، وقالَ يُونُسُ والأخْفَشُ والفَرّاءُ: الوَصِيدُ والأصِيدُ لُغَتانِ مِثْلَ الوِكافِ والإكافِ، وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿بِالوَصِيدِ﴾ البابُ، والكَهْفُ لا يَكُونُ لَهُ بابٌ ولا عَتَبَةٌ، وإنَّما أرادَ أنَّ الكَلْبَ مِنهُ بِمَوْضِعِ العَتَبَةِ مِنَ البَيْتِ، ثُمَّ قالَ: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ أشْرَفْتَ عَلَيْهِمْ، يُقالُ: اطَّلَعْتُ عَلَيْهِمْ أيْ أشْرَفْتُ عَلَيْهِمْ، ويُقالُ: أطْلَعْتُ فُلانًا عَلى الشَّيْءِ فاطَّلَعَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ قَوْلُهُ: ﴿فِرارًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّ مَعْنى ولَّيْتَ مِنهم فَرَرْتَ: ﴿ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ أيْ فَزَعًا وخَوْفًا، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: طالَتْ شُعُورُهم وأظْفارُهم وبَقِيَتْ أعْيُنُهم مَفْتُوحَةً وهم نِيامٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ لَوْ رَآهُمُ الرّائِي لَهَرَبَ مِنهم مَرْعُوبًا، وقِيلَ: إنَّهُ تَعالى جَعَلَهم بِحَيْثُ كُلُّ مَن رَآهم فَزِعَ فَزَعًا شَدِيدًا، فَأمّا تَفْصِيلُ سَبَبِ الرُّعْبِ فاللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، وهَذا هو الأصَحُّ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ لَمُلِّئْتَ بِتَشْدِيدِ اللّامِ والهَمْزَةِ، والباقُونَ بِتَخْفِيفِ اللّامِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى واحِدٌ إلّا أنَّ في التَّشْدِيدِ مُبالَغَةً، قالَ الأخْفَشُ: الخَفِيفَةُ أجْوَدُ في كَلامِ العَرَبِ، يُقالُ: مَلَأْتَنِي رُعْبًا، ولا يَكادُونَ يَعْرِفُونَ مَلَّأْتَنِي، ويَدُلُّ عَلى هَذا أكْثَرُ اسْتِعْمالِهِمْ كَقَوْلِهِ: