Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: -عَلى أنَّ الوَلِيَّ لا يَعْرِفُ كَوْنَهُ ولِيًّا- أنَّ الوَلِيَّ إنَّما يَصِيرُ ولِيًّا لِأجْلِ أنَّ الحَقَّ يُحِبُّهُ، لا لِأجْلِ أنَّهُ يُحِبُّ الحَقَّ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في العَدُوِّ، ثُمَّ إنَّ مَحَبَّةَ الحَقِّ وعَداوَتَهُ سِرّانِ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِما أحَدٌ، فَطاعاتُ العِبادِ ومَعاصِيهِمْ لا تُؤَثِّرُ في مَحَبَّةِ الحَقِّ وعَداوَتِهِ؛ لِأنَّ الطّاعاتِ والمَعاصِيَ مُحْدَثَةٌ، وصِفاتُ الحَقِّ قَدِيمَةٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، والمُحْدَثُ المُتَناهِي لا يَصِيرُ غالِبًا لِلْقَدِيمِ غَيْرِ المُتَناهِي، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَرُبَّما كانَ العَبْدُ في الحالِ في عَيْنِ المَعْصِيَةِ إلّا أنَّ نَصِيبَهُ مِنَ الأزَلِ عَيْنُ المَحَبَّةِ، ورُبَّما كانَ العَبْدُ في الحالِ في عَيْنِ الطّاعَةِ، ولَكِنَّ نَصِيبَهُ مِنَ الأزَلِ عَيْنُ العَداوَةِ، وتَمامُ التَّحْقِيقِ: أنَّ مَحَبَّتَهُ وعَداوَتَهُ صِفَةٌ، وصِفَةُ الحَقِّ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ، ومَن كانَتْ مَحَبَّتُهُ لا لِعِلَّةٍ، فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ أنْ يَصِيرَ عَدُوًّا بِعِلَّةِ المَعْصِيَةِ، ومَن كانَتْ عُدَواتُهُ لا لِعِلَّةٍ يَمْتَنِعُ أنْ يَصِيرَ مُحِبًّا لِعِلَّةِ الطّاعَةِ، ولَمّا كانَتْ مَحَبَّةُ الحَقِّ وعَداوَتُهُ سِرَّيْنِ لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِما، لا جَرَمَ قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ (المائِدَةِ: ١١٦)