Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ في نَفْسِهِ أنَّهُ صارَ مُسْتَحِقًّا لِلْكَرامَةِ بِسَبَبِ عَمَلِهِ حَصَلَ لِعَمَلِهِ وقْعٌ عَظِيمٌ في قَلْبِهِ، ومَن كانَ لِعَمَلِهِ وقْعٌ عِنْدَهُ كانَ جاهِلًا، ولَوْ عَرَفَ رَبَّهُ لَعَلِمَ أنَّ كُلَّ طاعاتِ الخَلْقِ في جَنْبِ جَلالِ اللَّهِ تَقْصِيرٌ، وكُلَّ شُكْرِهِمْ في جَنْبِ آلائِهِ ونَعْمائِهِ قُصُورٌ، وكُلَّ مَعارِفِهِمْ وعُلُومِهِمْ فَهي في مُقابَلَةِ عِزَّتِهِ حَيْرَةٌ وجَهْلٌ، رَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّهُ قَرَأ المُقْرِئُ في مَجْلِسِ الأُسْتاذِ أبِي عَلِيٍّ الدَّقّاقِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطِرٍ: ١٠) فَقالَ: عَلامَةُ أنَّ الحَقَّ رَفَعَ عَمَلَكَ أنْ لا يُبْقِيَ (ذِكْرَهُ) عِنْدَكَ، فَإنْ بَقِيَ عَمَلُكَ في نَظَرِكَ فَهو مَدْفُوعٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ مَعَكَ فَهو مَرْفُوعٌ مَقْبُولٌ.
الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ صاحِبَ الكَرامَةِ إنَّما وجَدَ الكَرامَةَ لِإظْهارِ الذُّلِّ والتَّواضُعِ في حَضْرَةِ اللَّهِ، فَإذا تَرَفَّعَ وتَجَبَّرَ وتَكَبَّرَ بِسَبَبِ تِلْكَ الكَراماتِ، فَهَذا طَرِيقُ ثُبُوتِهِ يُؤَدِّيهِ إلى عَدَمِهِ، فَكانَ مَرْدُودًا، ولِهَذا المَعْنى لَمّا ذَكَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَناقِبَ نَفْسِهِ وفَضائِلَها كانَ يَقُولُ في آخِرِ كُلِّ واحِدٍ مِنها، ولا فَخْرَ، يَعْنِي لا أفْتَخِرُ بِهَذِهِ الكَراماتِ، وإنَّما أفْتَخِرُ بِالمُكْرِمِ والمُعْطِي.