Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
هَذا البَدَنِ، وأشْرَقَتْ عَلَيْها أنْوارُ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ العَرْشِيَّةِ المُقَدَّسَةِ، وفاضَتْ عَلَيْها مِن تِلْكَ الأنْوارِ قَوِيَتْ عَلى التَّصَرُّفِ في أجْسامِ هَذا العالَمِ مِثْلَ قُوَّةِ الأرْواحِ الفَلَكِيَّةِ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ، وذَلِكَ هو الكَراماتُ، وفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ مَذْهَبَنا: أنَّ الأرْواحَ البَشَرِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ فَفِيها القَوِيَّةُ والضَّعِيفَةُ، وفِيها النُّورانِيَّةُ والكَدِرَةُ، وفِيها الحُرَّةُ والنَّذْلَةُ، والأرْواحُ الفَلَكِيَّةُ أيْضًا كَذَلِكَ، ألا تَرى إلى جِبْرِيلَ كَيْفَ قالَ اللَّهُ في وصْفِهِ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ (التَّكْوِيرِ:١٩ - ٢١) وقالَ في قَوْمٍ آخَرِينَ مِنَ المَلائِكَةِ: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ ( النَّجْمِ: ٢٦) فَكَذا هَهُنا فَإذا اتَّفَقَ في نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ كَوْنُها قَوِيَّةً القُوَّةَ القُدُسِيَّةَ العُنْصُرِيَّةَ، مُشْرِقَةَ الجَوْهَرِ عُلْوِيَّةَ الطَّبِيعَةِ، ثُمَّ انْضافَ إلَيْها أنْواعُ الرِّياضاتِ الَّتِي تُزِيلُ عَنْ وجْهِها غُبْرَةَ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ أشْرَقَتْ وتَلَأْلَأتْ وقَوِيَتْ عَلى التَّصَرُّفِ في هَيُولِيِّ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ بِإعانَةِ نُورِ مَعْرِفَةِ الحَضْرَةِ الصَّمَدِيَّةِ، وتَقْوِيَةِ أضْواءِ حَضْرَةِ الجَلالِ والعِزَّةِ، ولْنَقْبِضْ هَهُنا عَنانَ البَيانِ، فَإنَّ وراءَها أسْرارًا دَقِيقَةً وأحْوالًا عَمِيقَةً مَن لَمْ يَصِلْ إلَيْها لَمْ يُصَدِّقْ بِها، ونَسْألُ اللَّهَ الإعانَةَ عَلى إدْراكِ الخَيْراتِ.