Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 18:12
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ السّادِسَةُ: لا شَكَّ أنَّ المُتَوَلِّيَ لِلْأفْعالِ هو الرُّوحُ لا البَدَنُ، ولا شَكَّ أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى لِلرَّوْحِ كالرُّوحِ لِلْبَدَنِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾ (النَّحْلِ: ٢) وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «”أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي“» ولِهَذا المَعْنى نَرى أنَّ كُلَّ مَن كانَ أكْثَرَ عِلْمًا بِأحْوالِ عالَمِ الغَيْبِ كانَ أقْوى قَلْبًا وأقَلَّ ضَعْفًا، ولِهَذا قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: واللَّهِ ما قَلَعْتُ بابَ خَيْبَرَ بِقُوَّةٍ جَسَدانِيَّةٍ، ولَكِنْ بِقُوَّةٍ رَبّانِيَّةٍ. وذَلِكَ لِأنَّ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ انْقَطَعَ نَظَرُهُ عَنْ عالَمِ الأجْسادِ وأشْرَقَتِ المَلائِكَةُ بِأنْوارِ عالَمِ الكِبْرِياءِ، فَتَقَوّى رُوحُهُ وتَشَبَّهَ بِجَواهِرِ الأرْواحِ المَلَكِيَّةِ، وتَلَأْلَأتْ فِيهِ أضْواءُ عالَمِ القُدُسِ والعَظَمَةِ، فَلا جَرَمَ حَصَلَ لَهُ مِنَ القُدْرَةِ ما قَدَرَ بِها عَلى ما لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وكَذَلِكَ العَبْدُ إذا واظَبَ عَلى الطّاعاتِ بَلَغَ إلى المَقامِ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ: كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وبَصَرًا، فَإذا صارَ نُورُ جَلالِ اللَّهِ سَمْعًا لَهُ سَمِعَ القَرِيبَ والبَعِيدَ، وإذا صارَ ذَلِكَ النُّورُ بَصَرًا لَهُ رَأى القَرِيبَ والبَعِيدَ، وإذا صارَ ذَلِكَ النُّورُ يَدًا لَهُ قَدَرَ عَلى التَّصَرُّفِ في الصَّعْبِ والسَّهْلِ والبَعِيدِ والقَرِيبِ.